من أساسيات الإسلام التقوى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وسحبه والتابعين.. وبعد..
فإن منزلة التبوى منزلة عالية رفيعة عند الله، جزاؤها في الدنيا عظيم وفي الآخرة أعظم، فمن أمثلة فضلها في الدنيا بركات من السماء والأرض ورزق وافر عميم وكشف للكروب وتفريج للضائقات، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض﴾ (الأعراف: آية 96) ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ نوح: آية 10-12 ﴿وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا3. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ الطلاق آية 2-3 وفضلها في الآخرة أعظم، يوضح بعضه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد﴾ آل عمران: من الآية 15.
وللقوى صفات بثها المولى تبارك وتعالى في سور كتابه وآيات، فما أحوجنا إلى جمعها لنقيس أنفسنا وأحوالنا عليها، ولنهذب طباعنا وأخلاقنا على مقتضاها، ولنسترشد بنورها في سلوكنا وأعمالنا.
واليوم نقف مع آيات ثلاث تتحدث عن المتقين، وتحض على الاتصاف بأوصافهم، وتقرر حقائق كبيرة تتعلق بأصول العقيدة وصفات الله – عز وجل – أل وهي قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾ آل عمران: آية 133-136.
يهيب الله تعالى بعباده إلى المسارعة إلى جائزة، وطبيعة الجوائز أن يتنافس الناس في الإسراع إلى تحصيلها، لا أن يسيروا إليها متباطئن، فما بالنا إذا كانت الجائزة من الله يدعوهم إلى مغفرته ورضوانه ودار كرامته ونعيمه المقيم الغالي العظيم "الا إن سلعة اله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، والدعوة إلى المسارعة هي أسلوب القرآن دائماً في الحض على الإقبال على الله ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ﴾ (الذريات: من الآية 50) والجنة فسيحة مريحة﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْض﴾ آل عمران: من الآية 133 أعدت للمتقين، وهنا يجب أن تنتبه جوارحنا، وتستيقظ عقولنا،، وتتفتح نفوسنا وقلوبنا لمعرفة من هم المتقون:
0. الذين ينفقون في السراء والضراء: الذين ينتصرون على شح أنفسهم، وينفقون من أموالهم في سبيل الله في كل الأحوال في حال الرخاء واليسر، وفي حال الشدة والعسر، في حال الصحة والقوة وحال المرض والضعف لا يبخلون بما آتاهم الله من فضله، لا يستكثرون على سبيل الله شيئاً ﴿وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ولا يستقلون في جنب الله شيئاً "فاتقوا النار ولو بشق تمرة" فلابد أن نجعل من دخلنا سهماً راتباً نخرجه لمصارف الخير ونصرة الحق ونشر الدعوة.
1. والكاظمين الغيط: والغيظ انفعال نفسي،، تمور به النفس، يفور به الدم، ولو ترك المغيظ لنفسه العنان، لتجاوزت كل الحدود، وأدت إلى نتائج وخيمة، وما هكذا يكون المتقون، ولذلك حضهم الله تعالى على كظم الغيظ وكبح جماح النفس والتغلب على شهوة الثأر ولذلك حينما طلب رجل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه قال له: "لا تغضب، فلما استقلها وطلب المزيد، كرر إليه القول: لا تغضب، وعلم أصحابه أن الشديد ليس هو الذي يغلب الناس ولكنه الذي يغلب نفسه عند الغضب "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"
2. إذا غضب فكن وقورا كاظماً حتى تدري ما تقول وتسمعُ
3. والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين: قد يكظم الإنسان غضبه، ولكنه يتحول إلى حقد وغل والله عز وجل لا يريد المتقين كذلك، ولكنه يريد منهم أن يعفوا ويصفحوا ففي ذلك راحة لهم وتنفيس عما في صدورهم، وسلام لنفوسهم، وفي نفس الوقت سلام للمجتمع، وفي الحديث "ثلاث أقسم عليهم ما نقص مال من صدقه، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه" ولقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة هو يصفح عن قريش ويعفو عن كل من أذوه وعذبوا أصحابه وطردوه وحاربوه وقتلوا من أهله وأحبابه، ورأينا نتيجة هذا العفو، دخولهم في دين الله أفواجا، وهذا ما قرره القرآن الكريم ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيم﴾ (سورة فصلت آية 34) ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ سورة فصلت آية 35 فالذين يجودون بالمال في السراء والضراء، ويجودن بالعفو والسماحة بعد الغيظ والكظم محسنون والله يحب المحسنين،، لأنه سبحانه محسن كريم.
4. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون: وحرى بنا أن نقف هنا متأملين، فالصفات الثلاث السابقة من المنطق أن تكون صفات للمتقين، أما هذه فتتعلق بمن يقترفون المعاصي بل الفواحش وهي الكبائر، فقصارى ما بتصوره الخيال البشري مع استغفارهم وتوبتهم أن يكونوا من العوام المقتصدين أما أن يعتبرهم القرآن الكريم من المتقين فأمر عجاب ينبئ عن سماحة هذا الدين، وكرم هذا الرب، ورحمته وفضله الذي يسبق عدله، ومن ثم يجب أن نحبه من كل قلوبنا، ونسعى لمرضاته بل جهدنا، ونعتصم بهذا الدين بكل قوتنا، خصوصاً إذا علمنا أن من الأديان قبله من دمغ البشرية جميعها بخطيئه آدم قرونا عديدة، ومنها من يهدد من يعصي الله بغضبه، ومن غضب الله عليه لعنه، ولعنته تبلغ العاشر من الولد،بينما يقرر الإسلام أن آدم وزوجه تابا إلى الله فتاب عليهما، وانحلت المشكلة ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ سورة البقرة: آية 37 ويقرر أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن كل نفس بما كسبت رهينة.
فأولئك الذين تغلبهم شهواتهم وأطماعهم فيقعون في أبشع الذنوب وأفحشها ويلوثون أنفسهم ويظلمونها إذا تذكروا ربهم وتحركت شعلة الإيمان في قلوبهم وأفاقوا سريعاً من خدرهم وغفلتهم وقاموا من عثرتهم وغسلوا عن أنفسهم الأوساخ والأدران، وبادروا بالتوبة والاستغفار، قبلهم الله في كنف رحمته، وأعادهم إلى فئ مغفرته ومحا عنهم وزر خطيئتهم، ما داموا يعرفون أن لهم ربا يغفر الذنوب،، ويبسط يديه بالليل ليتوب مسيء النار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، فلا يغفر الذنوب أحد سواه، والذي يعلم هذا ويسارع إلى التوبة إنما هو إنسان مقر الله بالعبودية "فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابين" وههذه ليس دعوة للمعصية، ولكنها دعوة للتوبة ودعوة لعدم اليأس من رحمة الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ سورة الزمر: آية 53 ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُون﴾ سورة الزمر: آية 54.
وهؤلاء رفعنم الله إلى مقام المتقين، وأكرم به من مقام.
أما أولئك الذين يتبجحون بالمعاصي ويجاهرون بها ويصرون عليها، ويستهترون بمحارم الله،، ويأبون التوبة وهم يعلمون،، فأبواب المغفرة والرحمة في وجوههم موصدة، جاء في الحديث "ويل للمصرين الذين نيصرون على ما فعلوا وهم يعلمون".
ثم تختم الآيات بتبيان ما أعده الله للمتقين ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾ سورة آية عمران: آية 136.
فعملهم من الله تعلى مشكور وإنفاقهم في سبيله مأجور، وكظمهم لغيظهم وعفوهم عن الناس مبرور، واستغفارهم مقبول ومن ثم استحقوا من ربهم الجائزة التي حثهم على المسارعة إليها في أول الآيات وهاهو يؤكد استحقاقهم لها في نهاية الآيات الكريمات وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه وجعلنا وإياكم من المتقين الفائزين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،