بقلم فضيلة الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب
الحج موسم ومؤتمر جامع، وتعارف وعبادة، وتخطيط وتنسيق وتعاون على البر والتقوى، والبيت الحرام هو القبلة والملاذ والمثابة للعالمين، وهو المحور الذي يشد المسلمين جميعًا إليه، ويربطهم به ما بقيت الحياة، وهو منطقة السلام والأمن والأمان حتى في الجاهلية وعهود الظلام، وهذه منزلة لا يحظى بها أي مكان آخر في القارات الخمس، هذا المكان الطاهر المبارك اختاره الله لتخرج منه للعالم كله أعظم رسالة، وأصدق راية؛ فرسالة الإسلام حررت الإنسان من الذل والعبودية لأي كائن بشري على ظهر الأرض، فالعبودية لله وحده- وهي تلك الحرية الحقيقية- وفيه تحلو الطاعات، وتعذب المناجاة لله رب العالمين.
والمؤمن ينطلق لسانه ملبيًا راجيًا، وساعيًا طائعًا، وطائفًا مذعنًا مؤقتًا، ومشتاقًا هائمًا، وراميًا مهللاً مكبرًا، كله رجاء في رحمة الله، وخشية من عذابه، ويلقي الرد ممن خلقه وسوَّاه: "لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور" (رواه الإمام أحمد).
وفي الحديث الذي رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "هذا البيت دعامة الإسلام، فمن خرج يؤم- أي يقصد-– هذا البيت من حاج أو معتمر، كان مضمونًا على الله، إن قبضه أن يدخله الجنة، وإن رده رده بأجر وغنيمة".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم" (رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة).
وروي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
نواة الوحدة:
يعيش المسلمون اليوم مع فريضة من أعظم فرائض الإسلام وأقوى شعيرة من شعائر هذا الدين، إنها فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، على المستطيع من الناس واجب الأداء لله سبحانه وتعالى، واهب النعم، قال تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ (سورة آل عمران). وارتباط المسلم بهذا البيت، ليس مقتصرًا على الأشهر المعلومات والأيام المعدودات التي يؤدي فيها فريضة الحج مرة أو أكثر، وإنما هي العلاقة الدائمة والوشيجة التي لا تنقطع ولا تتوقف إلى يوم الدين، بين المسلم وقبلته.
وجميع فرائض الإسلام مراعى في تشريعها النفع الفردي والنفع الجماعي الذي يتحقق للأمة المسلمة متى أدت هذه الشعائر على وجهها كما أمر الله -عز وجل-، والأمة الإسلامية بالأمس حين آمنت بوجودها، وفقهت رسالة الإسلام وأهدافها، ووثقت بخالقها، واعتزت بدينها، وجاهدت للحفاظ على وجودها وكرامتها، أخذ الله بيدها، ودعم حقها، ورفع رايتها، فمن كان مع الله كان الله معه، ولقد كان هذا القرآن ذكرًا ومجدًا وشرفًا للعرب حين حملوه وقدموه للناس، فلم يكن لهم قبله ذكر، ولم يكن معهم ما يقدمونه للبشرية، وليس بيد المسلمين اليوم وغدًا سوى هذا الدستور الخالد، وهذا الزاد، ولا يملكون من منهج سواه، فإن تقدموا اليوم بهذا المنهج مرة أخرى للعالم من حولهم، عرفتهم البشرية، كما عرفت أسلافهم بهذا الكتاب وبهذه العقيدة السمحة، والسلوك المستمد من ذلك الكتاب وهذه العقيدة.
إن أمة الإسلام اليوم لا خيار لها؛ فإما أن تعود لهذا المنهج فتسود، وإما أن تعيش في الضياع والظلمات بدونه، ويستمر الواقع المؤسف الذي أصبحت فيه ذيلاً للقافلة، يتخطفها الناس، ويعتدي عليها أذلاء البشرية من يهود وغيرهم؛ لأنهم عرب فحسب، فذلك لا يقدم ولا يؤخر في تاريخ البشرية، ولا مدلول له في معجم الحضارات؛ فهل نفيق ونراجع موقفنا من الله، ونعود إلى مصدر عزنا وسر بقائنا ومصدر سيادتنا على ظهر الأرض؟!
إن هذه الأمة لا تقوى فيها الوشائج، وتتوثق العرى، إلا في ظل الإسلام، إن المسلم أخو للمسلم في أدنى الأرض وفي أقصاها، يقاسمه مر الحياة وحلوها، ويهرع إليه في شدته، مهما تكبد من المشاق وتحمَّل من المصاعب.
العبادات والسمات البارزة:
والعبادات في الإسلام تمزج بين الدنيا والآخرة، وتصل بين المسلمين وتربط بينهم بأعظم الروابط وأقواها، إنها تمنح المجتمعات الحيوية والنشاط لأداء العمل وبذل الجهد، واحتمال قسوة الصراعات؛ فمثلاً صلاة الجماعة، دلالتها واضحة في جمع شتات المسلمين خمس مرات في اليوم والليلة، على مستوى الحي، ثم في صلاة الجمعة تجمعهم مع غيرهم في المسجد الجامع، وفي صلاة العيدين تجمع أهل المدينة أو القرية، ثم في الحج يتلاقى أكبر جمع من المسلمين حول بيت الله الحرام، وقد تجردوا من جميع مظاهر الدنيا، وأقبلوا على ربهم يرجون رحمته ويخافون عذابه.
كل هذه التجمعات يربط بينها رباط الحب والتعاون، ويوحد بينها رباط الالتزام الدقيق الملحوظ في تنظيم الصفوف واتباع الإمام، وجميع المشاعر الأخرى التي ينشئها الإحساس بوحدة الوجهة ووحدة الصف، وارتباط قلوب الأمة الواحدة بعقيدة التوحيد، واتحاد الشعائر واتحاد الحركات والسكنات، كلها معالم لقوة المسلمين وتماسكهم.
إن حجاج بيت الله حين يقبلون على ربهم، وقد صفت قلوبهم، واستبشروا برحمات الله تحيط بهم، يشعرون بحالات من الوجد نادرة المثال في الحياة، حالات ترتفع فيها النفوس البشرية عن ملابسات الأرض والأهواء والمطامع إلى الشفافية التي يشعر بها الحاج هناك، وهو يتقلب بين منى والمزدلفة وعرفات، وحول الكعبة ومقام إبراهيم عليه السلام، والحجر الأسود، هذه الأماكن التي تجلت فيها حرمات الله، وتشرفت بذكريات خالدة، والرعيل الأول من صحابته؛ كطيف إبراهيم الخليل عليه السلام وهو يودع فلذة كبده إسماعيل وأمه عند بيته الحرام، تنفيذًا لأمر الله.
وطيف هاجر وهي تجري بين الصفا والمروة، وقد أنهكها العطش، وأضناها الإشفاق على طفلها، وفي الجولة السابعة بعد أن هداها التعب وحطمها اليأس يتدفق النبع الصافي، وإذا هي زمزم ينبوع الرحمة في صحراء الجدب.
وطيف إبراهيم عليه السلام وهو يرى الرؤيا يذبح ابنه فلا يتردد لحظة في التضحية به؛ استجابة لأمر الله، ويمضي في التنفيذ، وهنا يكون الفرج والفداء: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة الصافات 104 ، 105 ،106، 107).
وطيف إبرهيم وإسماعيل- عليهما السلام- يرفعان القواعد من البيت، في إنابة وطاعة وخشوع، ويجري على لسانهما هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.يورة البقرة 127.
وتتواكب الذكريات الخالدة مع سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- وهو يعيش فوق ثرى هذه البقاع حول البيت، وهو يصلي، وهو يدعو، وهو يطوف، وهو يُؤذَى،وهو يفتح الفتوح، وينشر لواء الإسلام، ويرفع راية التوحيد، ويدعو للرحمة والسماحة والخير.
إن المصاحبة الوجدانية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك كله تكاد تراها العيون، وتسمعها الآذان، ويشعر بها الحاج وهو يعيش في هذا المؤتمر الجامع للمسلمين قاطبة، وفي ظل عقيدة التوحيد التي يتوارى في ظلها جميع فوارق الأجناس والألوان والأوطان؛ بل يجدون قوتهم التي نسوها، قوة التجمع، وقوة التوحد والترابط الذي يضم الملايين، الملايين التي يُعمَل لها ألف حساب، ولا يقف لها أحد حين تفيء إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد، راية العقيدة والتوحيد.
أين المسلمون اليوم الذين يذهبون إلى الحج من هذه المعاني التي هي لب الحج؟ هل تعاونوا وهل تشاوروا؟ وهل نسقوا وخططوا؟ وهل وحَّدوا القوى؟ وهل تبادلوا التجارب؟
أما آن للعالم الإسلامي أن ينظم أموره- ولو مرة كل عام- في ظل الحق، وبالقرب من بيت الله، وتحت راية التوحيد، وفي أنسب مكان وأطهر جو وأصدق لقاء؟ وكلنا أمل ورجاء في تحقيق وعد الله ونصره.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ سورة الإسراء آية 51.
ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.