بقلم الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب
من شعائر ديننا الحنيف ما شرع ليتخلل الحياة اليومية العادية، يبعث فيها الطاقة الإيمانية ساعة بعد ساعة، مع سعي الإنسان في عمله، وذلك كالصلاة في مواقيتها، ومن الشعائر ما اتجه إلى تغيير أسلوب الحياة تغييرًا كاملاً مباشرًا، مثل فريضة الصيام.
ومن الشعائر ما يتجه إلى تغيير المكان والحياة، وهذه فريضة الحج، وهي الرحلة الفريدة في عالم الأسفار، الرحلة إلى الصحراء، في ملابس مخصّصة، وامتناع -طوال هذه الرحلة- في فترة الإحرام عن أعمال معينة كانت مباحة، فهو في قمة الأخلاق والسلم والأمان من جميع خلق الله، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، ولا يقطع شجرًا، ولا يروع طيرًا، ولا يقتل حيوانًا.
1- تكليف:
ومن يوم أن وقف سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- في عرفات، وأعلن تمام الرسالة، وأعلن يأس الأعداء من الانتصار على هذا الدين تحملت الأجيال هذه الأمانة، قال تعالى في سورة المائدة ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ ( سورة المائدة جزء من الآية: 3).
يقول صاحب الظلال:
لقد يئس الأعداء من إبطال هذا الدين أو الانتقاص منه أو تحريفه، وقد كتب الله له الكمال وسجل له البقاء، وقد يغلبون على المسلمين في موقعة، أو في فترة، ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين، فهو وحده الدين الذي بقي محفوظًا لا يناله الدثور ولا يناله التحريف.
نعم… من يوم إعلان حجة الوداع هذا، وضع الرسول- صلى الله عليه وسلم- الأمانة كاملة في أعناق الأجيال، ليبلغوها إلى أمم الأرض، فحملها من سبقونا بحق، فأقاموا الحضارة الراقية، وأشاعوا العدل والبر والمرحمة بين أمم الأرض، ثم خلف من بعدهم خلف قصروا في حق أنفسهم وفي حق دينهم، قصروا في العلم الصحيح بدينهم الحق، وقصروا في حق عقيدتهم التي لا يمكن لأمة أن تنهض على قاعدة قوية سواها، ذلك أن كل بنيان لا يقوم على عقيدة التوحيد، إنما هو بنيان واهي الأساس مصدع الجدران.
كما قصروا في الاستمساك بأصول شريعتهم، وفي فهم مقاصدها، وفي الجهاد في سبيل التمكين لها في واقع الحياة.. وهنا يبرز بوضوح شديد مسئولية العلماء والدعاة، ومسئولية الجامعات الإسلامية، ومسئولية الجماعات الإسلامية الراشدة، والمعاهد العلمية، وجميع المفكرين الإسلاميين..
إن هذه القوى الإسلامية القادرة على الدعوة والتبليغ والبيان، هي التي يجب عليها وجوبًا عينيًّا أن تروي عطش المسلمين من نهر الإسلام والقرآن، وأن تقرب هذا الحق من قلوبهم وعقولهم، كل ذلك من خلال منهج سديد، وبرنامج إعلامي صحيح، وندوات راقية، واجتهاد مبصر فيما جد على أوضاع المسلمين وحياتهم من معاملات وأحداث ووقائع، ففي الأثر: "بلغوا عني ولو آية"، وأيضًا عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالخيف من منى فقال: " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهم قلب المؤمن إخلاص العمل والنصيحة لولي الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تكون من ورائه ". رواه أحمد.
2- أمة لن تموت:
لقد أثبت التاريخ أن هذه الأمة قد تضعف ولكنها لا تنهار، وقد يشتد كربها، ولكنها لا تموت، لسبب بسيط: أنها تحمل رسالة خاتمة خالدة، فهي من ثم باقية ما بقيت، وما من فترة تاريخية ضعف فيها المسلمون ضعفًا ضاقت به صدور المؤمنين الصادقين، إلا وأتى فرج الله –تعالى-، وانبعثت هذه الأمة من جديد، تحمل رسالتها، وتحافظ على حقها، وتصون كرامتها وعزتها.
وها هي الصحوة الإسلامية اليوم، الدليل الواقعي على ذلك…
لقد أقبل الشباب المؤمن على ربه –سبحانه-، يعبدونه ويرجعون إليه، ويدعونه ليل نهار، أن تنزاح هذه الكروب، وأن تزول هذه الشدائد، ولقد فتح الله لهم أبواب رحمته، وشرح صدروهم، فهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، وهم وهبوا أنفسهم للعمل لدين الله.
يقول صاحب الظلال:
"حقيقة الإيمان لا يتم تمامها في قلب حتى يتعرض لمجاهدة الناس في أمر هذا الإيمان؛ لأنه يجاهد نفسه كذلك في أثناء مجاهدته للناس، وتتفتح له في الإيمان آفاق لم تكن لتتفتح له أبدًا، وهو قاعد آمن ساكن، وتتبين له حقائق في الناس وفي الحياة لم تكن لتتبين له أبدًا بغير هذه الوسيلة، ويبلغ هو بنفسه وبمشاعره وتصوراته وبعاداته وطباعه وانفعالاته واستجاباته، ما لم يكن ليبلغه أبدًا، بدون هذه التجربة الشاقة العسيرة، وهذا بعض ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ (البقرة: 251)، وأول ما يفسد: فساد النفوس بالركود الذي تأسن معه الأرواح وتسترخي معه الهمة، ويتلفها الرخاء والطراوة، ثم تأسن الحياة كلها بالركود، أو بالحركة في مجال الشهوات وحدها، كما يقع للأمم حين تبتلى بالرخاء".
3- الارتباط بين الشعائر والحياة:
إننا نجد ارتباطًا كاملاً بين شعائر الإسلام والحياة، فليست الشعائر مطلوبة أو مقصودة لذاتها، فإن لم ينعكس أثر الصلاة والصيام والحج على واقع حياة المصلين والصائمين والحجاج، فإنهم لم يعرفوا الطريق بعد، الشعائر مدرسة أخلاقية، وتربية اجتماعية، وتعويد على الصبر والاحتمال، وفي الحج نرى معنى وحدة المسلمين؛ فلا إقليمية، ولا عنصرية، ولا عصبية للون أو جنس، وفي الحج معنى المساواة الحقة، فاللباس البسيط، هو للأمير والملك والمسكين والفقير، ولقد وقف النبي- صلى الله عليه وسلم- يخاطب الناس في أيام التشريق ويذكرهم بمبدأ الإسلام العالمي في المساواة، فعن أبي نضرة حدثني من سمع خطبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في وسط أيام التشريق فقال: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى أبلغت قالوا بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام ثم قال: أي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام قال ثم قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فإن الله قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم، (قال: ولا أدري قال أو أعراضكم أم لا) كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، أبلغت قالوا بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ليبلغ الشاهد الغائب " (رواه أحمد).
4- مؤتمر عالمي:
يقول د. القرضاوي: والحج يتيح للمسلم أن يشهد أعظم مؤتمر سنوي إسلامي، مؤتمر لم يدع إليه ملك أو رئيس، أو حكومة، أو هيئة، بل دعا إليه الله العلي الكبير، الذي فرض إقامته كل عام على المسلمين.
هل هناك مكان أعظم، وبقعة أشرف من هذا المكان، نتخذ منه منبرًا لإصدار أهم القرارات التي تتصل بحياة المسلمين في القارات الخمس، أو تتصل بالسياسة العامة لشعوب الأرض وللمعذبين والمغلوبين.
أما آن للمسلمين أن يفقهوا المعنى الكبير من هذا اللقاء، إنه لمراجعة الحسابات، وعرض القضايا الإسلامية والمواقف منها.
يجب على رجالات الإسلام أن يتخذوا من هذا الموسم وساحته واجتماع هذا العدد الوافد من جميع أرجاء الأرض منطلقًا لعرض أهم أحوال المسلمين وقضاياهم.
إن الطامة الكبرى تقترب وبسرعة من الأمة كلها، واليهودية عزمت على استئصال شأفة المسلمين، إنها تستورد من كل أركان الدنيا شذاذ الآفاق، وحثالة البشرية ليكتم هؤلاء أنفاس المسلمين، وإن لبنان وما فيها من مخاز يندى لها الجبين، استولى عليها المجرمون فهدموها وخربوها، وإن أفغانستان والأهوال التي تجري فيها لا حدود لها، فلماذا لا يفيق المسلمون من غفلتهم؟ وإلى متى يظل هذا الضياع؟ لماذا لا يتبادل المسلمون في موسم الحج كل هذه القضايا؟!
إن الفرقة والخلافات التي نعاني منها لا نظير لها في أمة من الأمم، ليعلم المسلمون جميعًا وحجاج بيت الله- بصفة خاصة- أن الموقف خطير وخطير، وأن العواقب وخيمة، وأن المسلم أكبر من أن ينحاز لقومية أو عصبية أو جنس.. هذه الأمراض الفتاكة التي مزقت المسلمين ودمرتهم يجب أن تنتهي ويجب أن تختفي.
يا حجاج بيت الله، اذكروا ما قاله أحد المبشرين في تقرير له عن العقبات التي تقف في طريقهم، يقول:
"سيظل الإسلام صخرة عاتية تتحطم عليها سفن التبشير المسيحي، ما دام للإسلام هذه الدعائم الأربع: القرآن.. ومؤتمر الحج السنوي.. واجتماع الجمعة الأسبوعي.. والأزهر".
إن عدوكم يعرف مكامن الخطر عليه في حياتكم، فاقدروا هذا الأمر، واتقوا الله، واستفيدوا من شعائر دينكم، ولعلكم تفيقون قبل فوات الأوان.