بقلم فضيلة الشيخ / محمد عبدالله الخطيب
بقلوبنا وأرواحنا نعيش مع موكب المنطلقين صوب البيت العتيق تلبية وإجابة لدعوة الله الدائمة على مر القرون التى أمر بها الخليل -عليه السلام- فقال له ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ سورة الحج آية: 27" وإن هذا الشوق والسعى والحنين إلى بيت الله العتيق قديم قدم الإنسان نفسه، فقد روى الإمام أحمد والبيهقى عن ابن عباس -رضى الله عنهما- أن النبى -صلى الله عليه وسلم- لما مر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بوادي عسفان حين حج قال: "يا أبا بكر أي واد هذا؟ قال: وادي عسفان، قال: لقد مر به هود وصالح على بكرات حمر خطمها الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق". وروى أبو يعلى والطبرانى عن أنس.. قال: "لقد مر بالروحاء سبعون نبياً، فيهم نبى الله موسى، يؤمون هذا البيت العتيق".
أمة واحدة:
فرض الله الحج على القادرين من أمة الإسلام لأغراض سامية، فهو يجمع المسلمين على اختلاف ألوانهم وتباعد ديارهم فى مؤتمر عالمى عظيم، فيه تلتئم الصفوف وتتوحد الكلمة،ويصبح المسلمون فيه قوة يقدرها الآخرون، خاصًة اليهود ومن يعاونهم ويقف وراءهم ويمدهم بالسلاح ويشجعهم على العدوان، يجب على القادرين من أمة الإسلام فى موسم الحج أن يتعرفوا على أحوال إخوانهم فى شتى الأقطار، وأن يتحقق فيهم الشعور بالأمة الواحدة، والوطن الواحد، بل والجسد الواحد، وأن تتحرك فى نفوسهم جميعاً معانى التضحية وحق إخوانهم فى كل مكان فى نصرتهم ومعونتهم، والدفاع عنهم، فهذا حق المسلم على المسلم فى هذا الدين.
إن اتجاه المسلمين جميعاً فى كل أنحاء الارض فى صلاتهم إلى قبلة واحدة يدعوهم إلى توحيد وجهتهم، وتوحيد مواقفهم، وتوحيد نظرتهم إلى القضايا الخطيرة التى تعصف بمستقبل الأمة كلها، وتكاد تدمرها عن آخرها.
إننا ندعو المسلمين جميعاً إلى النهوض وإلى العمل الجاد والمخلص للتخلص من جميع التراكمات والسلبيات التى حلت بهم فى ظل تسلط أعداء الإسلام عليهم، ندعوهم لتلبية نداء الله لهم ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾" آل عمران: من الآية 103 ندعوهم إلى الألفة والمحبة والأخوة والوحدة، وأن يكونوا كما وصفهم الله فى كتابه ﴿ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ الفتح: من الآية 29 ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ المائدة: من الآية 54 وإنه لما بأس له القلب أن نرى بعض المسلمين أعزة على المسلمين يسومون الدعاة إلى الله سوء العذاب، ويتقنون فى آذاهم، ويضيقون عليهم كل طريق، ونراهم أذلة للكافرين، ينفذون رغباتهم تقرباً وزلفى إليهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ماذا ينتظر المسلمون وحكامهم، بعد وضوح الخطر اليهودى والعدوان الأمريكى الغاشم، والتهديد بالسحق والقتل ليل نهار، إن الخطر اليوم لم يعد يتهدد الشعب الفلسطينى ولا الأفغانى ولا العراقى فحسب، وإنما يتهدد أقطاراً إسلامية وشعوباً إسلامية بأكملها، إن التصريحات من هنا وهناك بتجفيف المنابع، وحصار المساجد تمنع كلمة الحق أن تقال فيها، ومنع التبرع والصدقات وتعطيل فعل الخير وتجريم كل تصرف إسلامى، ومطاردة كل ما هو إسلامى، ووصفه بالتطرف وجلب اليهود من روسيا وغيرها، ومحاولة سحق الانتفاضة، وتدمير البنية التحتية لأهل فلسطين، وتمكين الهنود السيخ من ضرب المسلمين فى كشمير، تم تدمير أفغانستان بأكملها، ومعاملة الشباب المسلم معاملة أقل من الدواب، حتى أصبح دم المسلم من أرخص الدماء لهو من الأمور المصيرية فى تاريخ الأمة.
واجب علينا جميعاً:
فلا يجوز لمسلم يسمع بهذا أو يعلم بما يحدث لإخوانه، ثم يسكن أو يسكت، أو يهدأ باله، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول "مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاونهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". رواه مسلم عن النهمان بن بشير.
يا زوار بيت الله:…
علينا جميعاً أن نصلح أنفسنا، وأن نعمل على إيقاظ غيرنا، كى نعيش قضايا إخواننا وما يتعرضون له، وأن نعمل على تنبيه غيرنا، ليكونوا ضد هذه الهجمة الشرسة، وأن نطالب حكومات العالم العربى والإسلامى بأن تفيق من غفلتها – قبل فوات الأوان – وأن تقف الوقفة التى يمليها علينا جميعاً الإسلام إزاء هذه الحملات الضاربة.
النظام العالمى الجديد:
وفى موسم الحج نذكر المسلمين جميعاً بأن يثقوا بدينهم وإسلامهم وأن يطمئنوا إلى وعد الله، ولا يخافوا من التهديد الرخيص والتهريج الذى يصدر من البعض، فالنظام العلامى الجديد ولد ميتاً، لأنه عقلاً وتاريخاً لا يمكن -بل يستحيل- أن يسيطر نظام فرد واحد أو مجموعة من الناس، أو دولة، على العالم كله، لأن هذا مخالف لسنن الله بل هو خروج عليها، ومبعث هذا الأمر التعالى والاستكبار والغرور وحب الهيمنة والسيطرة، وقد حاول هذا من قبل فرعون وقارون وعاد وثمود وغيرهم، فاندفعوا كما تندفع أمريكا اليوم، فحسبوا أنهم أصبحوا قادرين على هذه الأرض، ومالكى ناصيتها، وبيدهم وحدهم قرارها، ففرعون لعنه الله يقول ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ القصص: من الآية 38 وقارون يقول وقد خرج على قومه فى أبهة وكبرياء وزينة ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ القصص: من الآية 78 وقوم عاد استطالوا وقالوا ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فيوجه الله إليهم الخطاب قائلا ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ فصلت: من الآية 15.
فكان الإغراق لفرعون وقومه، والخسف لقارون وماله، والهلاك لعاد وثمود واليوم يوجد فى عالمنا من يزعم لنفسه أنه القوة الوحيدة المسيطرة فى العالم، وأن مصير العالم كله بيده، نرى ذلك واضحاً فيما زعم البعض بأنه نظام جديد للعالم، وهذا تنازع صريح فيما هو من اختصاص الحق -سبحانه وتعالى-، فالله هو المتفرد بالملك والجبروت، والذى يحاول هذا من البشر سوف يجرى عليه ما جرى للدب الشيوعى، الذى خمدت فيه للأبد جذوة الصراع الوهمى، وانتهت الدعاوى العريضة فى لحظات.
الأمل مع العمل:
إن تصورات المؤمنين الصادقين للموقف فى الفترات العصبية لها طابعها الواضح يقول الحق –سبحانه- ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ الأحزاب: 22 قالوا هذا حين تظاهرت الجزيرة العربية كلها ضد الإسلام والمسلمين وأقبلت قريش فى عشرة آلاف مقاتل وحاصروا المدينة، والمسلمون فى داخلها لا يزيد عددهم عن ثلاثة آلاف.
إن قول المؤمنين هذا لا ينطبق على الذين عاصروا هذا الحدث وشاهدوه وحدهم، ولكنه نزل نصا خالدا للعمل به فى كل وسط بعد ذلك، وفى كل تاريخ، بنفس القوى التى عمل بها فى الأمة الإسلامية الأولى، ونسمع عن مدى الجهد الذى تحمله الصحابة طوال هذه الأزمة يقول الصحابى محمد بن مسلمة "كان ليلنا بالخندق نهارا، حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفاً شديداً".
وحتى شغلوا المسلمين عن الصلاة فدعا عليهم صلى الله عليه وسلم يومئذ فقال: "شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا".
لقد كان صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فعلى الرغم من هذه الأهوال، والضيق كان مثابة الامان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان.
وها هو سلمان الفارسى يقول ضربت فى ناحية من نواحى الخندق فقلظت على صخرة، ورسول الله قريب منى، فلما رآنى أضر ورأى شدة المكان على نزل فأخذ المعول من يدى فضرب به ضربة لمعت تحت المعول، قال: ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى، قال ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى، قلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، ما هذا الذى رأيت، لمع وأنت تضرب؟ قال: أو قدر رأيت ذلك يا سلمان، قال: قلت نعم: قال: أما الأولى فإن الله فتح على بها اليمن، وأما الثانية، فإن الله فتح على بها الشام، والمغرب، وأما الثالثة، فإن الله فتح على بها المشرق "يجب أن يقع هذا القول موقعه فى قلوب المسلمين والخطر يحدق بهم فى كل مكان اليوم.
وإن كل ما يحدث رغم مرارته وشدته، لن ينال من عزيمتنا أبدا، ولن تضاعف الجهد ونحرص على التضحية مع الصبر والمصابرة، ومن الثقة فى تأييد الله ونصره، فهو سبحانه القائل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الروم: من الآية 47 وسنة الله =سبحانه= التي لا تتبدل أن يضرب الحق والباطل ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ﴾ الرعد: من الآية 17 ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ التوبة: 33.
ونستيطع أن نقول: إن المستقبل للإسلام بإذن الله، ولكن من خلال عمل وجهد وجهاد وعرق، بعد التسلح بالإيمان والأخذ بكل أسباب القوة، فإلى الإيمان الصادق، وإلى الأخوة والوحدة والعزة والثقة فى وعد الله. ﴿... وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يوسف: من الآية 21.