قال ابن اسحاق: وأقام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة، ولم يتخلف معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حبس أو فتن إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة – رضي الله عنهما - . وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الهجرة فيقول له الرسول – صلى الله عليه وسلم - : لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكونه.
قال الغزالي: واجتمع طواغيت مكة في دار الندوة ليتخذوا قرارا حاسما في هذا الأمر فرأى بعضهم أن توضع القيود غي يد محمد – صلى الله عليه وسلم – ويشد وثاقه ويرمى به في السجن لا يصله منهم إلا الطعام ويترك على ذلك حتى يموت، ورأى آخر أن ينفى من مكة فلا يدخلها ، وتنفض قريش يدها من أمره ، وقد استبعد هذان الاقتراحان لعدم جدواهما، واستقر الرأي على الاقتراح الذي أبداه أبو جهل. قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسطا فتيا، ثم نعطي كل فتى سيفا صارما ، ثم يضربونه جميعا ضربة رجل واحد ، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن أن بني هاشم يقوون على حرب قريش كافة، فإذاً لم يبقى أمامهم إلا الدية أديناها.
ورضي المؤتمرون بهذا الحل للمشكلة التي حيرتهم، وانصرفوا ليقوموا على إنفاذه، وقد أشار القرآن إلى تدبير هذه الجريمة بقوله ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. الأنفال الآية 30
وهذا حديث هجرة النبي –صلى الله عليه وسلم – كما روته عائشة - رضي الله عنها - وساقه البخاري في أصح كتب السنة وبعد أن ذكرت قصة جوار ابن الدغنة لأبي بكر، ورده رضي الله عنه جواره قالت: "والنبي – صلى الله عليه وسلم – يومئذ بمكة فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – للمسلمين: "إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان ، فهاجر من هاجر قبل المدينة، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على رسلك فإني أرجو أن يؤذن . فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت ؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ليصحبه.
وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر – وهو الخبط – أربعة أشهر.
قال ابن شهاب: قال عروة : قالت عائشة : بينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلي الله عليه وسلم متقنعا _في ساعة لم يكن يأتينا فيها _فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء في هذه الساعة إلا أمر.
قالت فجاء رسول الله صلي الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له ، فدخل ،فقال النبي صلي الله عليه وسلم لأبي بكر أخرج من عندك ، فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله .قال : فإني قد أذن لي في الخروج .
فقال أبو بكر : الصحبة بأبي أنت يا رسول الله .قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : نعم .
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدي راحلتي هاتين .قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : بالثمن . قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به علي فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق .
قالت: لحق رسول الله – صلى الله عليه وسلم –وأبو بكر بغار ف يجبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع شيئا يكتادان فيه إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حنى يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل – وهو لبن منحتهما ورضيفهما – ختى ينعق بعما عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر رجلا من الدبل – وهو من عبد بن عدي هاديا خريتا – والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين مفار قريش فأمناه،، فدفعا إليه راحلتهما، - وواعداه بعد ثلاث ليال صبج ثلاث، وانطلف معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
ثم روى البخاري بسنده عن ابن شهاب قال: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي – وهوابن أخي سراقة بن مالك بن جعثم – أن أباه أخبره أنه سمع سراثة بن جعثم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون غب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذا أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال : يا سراقة، إني رأيت أسودة بالساحل أراها محمد وأصحابه، قال سراقة : فعرفت أنههم هم، فقلت لهم، إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت غي المجلس ساعة ثم قمت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهو من وراء أكمة – فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه، حتى أتيت غرسي فركبتها فرفعتها تقرب حتى دنوت منهم، فعثرت بي فرسي فخررت عنها فمت فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره فركبت فرسي – وعصيت الأزلام – تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يد غرسي في الأرض حتى بلغت، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يدها فلما استوت قائمة، إذا لأثر يدها خثان ساطع في السماء مثل الدخان ، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقين من الحبس منهم أن سيظهر أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني، ولم يسألاني، إلا أن قال إخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- .
قال بن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول اله – صلى الله عليه وسلم - لقى الزبير غي ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير الرسول – صلى الله عليه وسلم – وأبا بكر ثياب بيا، وسمع المسلمون بالمدينة مخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم – من مكة فكانوا يفدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه، حتى تردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، فلما آززا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود إلى أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فببصر برسول الله –صلى الله عليه وسلم – وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي إلا أن قال بأعلى صوته، يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صامتا، فطفق من جاء من الأنصار – ممن لم ير رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه برداءه، فعرف الناس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند ذلك، فلبث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غي بني عمرو بن عوف بضع عشر ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة، وهويصلي فيه يومثذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين غي حجر سعد بن زرارة فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين بركت راحلته ك هذا إن شاء اله المنزل، ثم دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول - وهو ينقل اللبن -:
هذا الجمال لا جمال خيـبر هذا أبر ربنا وأطـــهر
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي. قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث – أن رسول الله تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات .
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنة - قال: "أقبل نبي – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله – سلى الله عليه وسلم – شاب لا يعرف،" قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل. قال: فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبي الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: اللهم أصرعه، فصرعه الفرس ثم قامت تحمحم، فقال: يا نبي الله مرني بما شئت. فقال: فقف مكانك، لا تتركن أحدا يلحق بنا، قال: فكان أول النهار جاها على نبي الله – صلة الله عليه وسلم -، وكان آخر النهار مسلحة له، فنزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جانب الحرة، ثم بعث إلى الأنصار فجاءوا إلى نبي الله – صلى الله عليه وسلم – وأبي بكر فسلموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين، فركب نبي الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو بكر وحفوا دونهما بالسلاح، فقيل في المدينة: جاء نبي الله، جاء نبي الله – صلى الله عليه وسلم -، فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبي الله، فأقبل يسير حتى نزل دار أبي أيوب، فإنه ليحدث أهله إذ سمع عبد اله بن سلام وهو غي نخل لأهله يخترف لهما، فعجل أن يضع الذي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه فسمع من نبي الله - صلى الله عليه وسلم – ثم رجع إلى أهله، فقال النبي – صلى اله عليه وسلم -: أي بويت أهلنا أقرب فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله، هذه داري وهذا بابي ، قال فانطلق فهي لنا مقبلا. قال: قال قوما على بركة الله. فلما جاء نبي الله – صلى الله عليه وسلم- جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في، فأرسل رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فأقبلوا فدخلوا علي فقال لعم رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق فأسلموا قالوا: ما نعلمه – قالوا للنبي – صلى الله عليه وسلم – قالها ثلاث مرار قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا : حاشا لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم، قالوا : حاشا لله ما كان ليسلم قال: يا ابن سلام اخرج عليهم. فخرج فقال: يا معشر اليهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا:كذبت، فأخرجهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ". ومن أحاديث الهجرة في صحيح البخاري ما رواه أنس عن أبي بكر - رضي الله عنه قال: "كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم في الغار فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا قال: اسكت يا أبا بكر. اثنان الله ثالثهما".
وقبل أن ننتقل إلى الفوائد والآثار الإيمانية نشير إلى حادثتين حدثتا من خلال الهجرة. روى الأولى البخاري في صحيحه، والثانية الحاكم والطبراني.
روى البخاري عن البراء قال: ابتاع أبو بكر من عازب رحلا فحملته معه. قال: فسأله عازب عن سير رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فال: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلا فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة فأتيناها ولها شيء من ظل. قال: ففرشت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – فروة معي ، ثم اضطجع عليها النبي – صلى الله عليه وسلم -، فانطلقت انفض ما حوله، فإذا أنا براع قد أقبل في غنمه يريد من الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟ فقال: أنا لفلان. فقلت له: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. فقلت له: هل أنت حالب؟ قال: نعم. فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفض الضرع. قال: فحلب كثبة من لبن ومعه إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي فقلت اشرب يا رسول الله فشرب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى رضيت، ثم ارتحلنا والطلب في أثرنا".
وعن قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله – صلى اله عليه وسلم – وأبو بكر مستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم أحسبه: فما تلك الشاة: فأتى بها فدعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالبركة عليها ثم حلب عسا فسقاه، ثم شربوا فقال: أنت الذي تزعم أنك صابي قال: إنهم يقولون. قال: أشهد أن ما جئت به حق. قال: اتبعك قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا فاتبعه بعد.
ونختم قصة الهجرة بهذه الأبيات الطيبة التي قالها أبو قيس صرمة الأنصاري:
ثوي في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقي حبيبا مواتـــيا
ويعرض في أهل المواسم نفســه فلم يرمن يؤي ولم ير داعــيا
فلما أتانا واستقرت به النـــوى وأصبح مسرورا بطيبة راضـيا
واصبح لا يخش ظلامة ظـــالم بعيد ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال في حل مالـــنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيــا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن الله لا رب غيــــره وأن كتاب الله أصبح هادـــيا
الفوائد والآثار الإيمانية:
1 – قال الله تعالى في ذكر الهجرة: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ التوبة 84.
قال الغزالي: والجنود التي يخذل بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق، إنها أعم من أن تكون مادية او معنوية، فإذا مانت مادية لإن خطرها لا يتمثل في فخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تىاها العين بجيش ذي لجب، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ﴾ المدثر 31. ومن صنع الله لنبيه أن تعمى عنه عيون أعدائه هو منهم على مد الطرف، ولم يكن ذلك محاباة من القدر لقوم فرطوا في أسباب النجاة بل هو مكآفة من القدر لقوم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا أخذوها، وكم من خطة يضعها أصحابها فيبلغون بها غاية الإتقان تمر بها فترات عصيبة لأمور فوق الإرادة أو وراء الحسبان ثم تستقر أخيرا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قوله تعالى: ﴿ وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يوسف 21.
2 – وقال القسامي: قال بعض مفسري الزيدية: استدل على عظم محل أبي بكر من هذه الآية من وجوه، قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ ﴾ وقوله ﴿ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ﴾ وقوله ﴿ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ﴾ قيل عن أبي بكر وعن أبي علي والأصم، قال أبو علي: لأنه الخائف المحتاج إلى الأمن، وقيل على الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن الزجاج وأبي مسلم قال معاز الله، من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر، لأنه رد كتاب الله تعالى.
3 – وقال الدكتور مصطفى السباعي في الدروس والعظات:
إن الجندي الصادق المخلص لدعوة الإصلاح يفدي قائدهن بحياته ففي سلامة القائد سلامة الدعوة وفي فلاكه خذلانها ووهنها، فما فعله علي – رضي الله عنه – ليلة الهجرة من بياته على فراش الرسل – صلى الله عليه وسلم – تضحية بحياته في سبيل الإبقاء على حياة رسول الله –صلى اله عليه وسلم – إذ كان من المجتمل أنن تهوي سيوف فتيان قريشعللى رأس علي- رضي الله عنه – انتقاما منه لأنه سهل لرسول الله – صلى الله عليه وسلم النجاة، ولكن عليا لم يبال بذلك فحسبه أن يسلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نبي الأمة وقائد الدعوة.
4 – وقال أيضا: عم أبصار المشركين عن رؤية وسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصاحبه في غار ثور وهم عنده، وفيما تزكبه لنا الروايات م سج العنكبوت وتفريخ الطير على فم القار مثل تخشع له القلوب من أمثلة العناية الإلهية برسله ودعائه وأحبابه فما كان الله في رحمته لعباده ليسمحأن يقع الرسول – صلى الله عليه وسلم – في قبضة المشركين فيقضوا عليه وعلى دعوته، وهو الذي أرسله رحة للعالمين، كذلك يعود الله عباده الدعاة المخلصين أن يلطف في ساعات الشدة، وينقذهم من المأزق والغدر، وليس في نجاة الرسول – صلى الله عليه وسلم وصاحبه – بعد أن أحاط بهما المشركون في غار ثور إلا تصديق قول الله تبارك وتعالى ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ﴾ غافر 51 ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الحج 38.
5 – وقال الأستاذ منير الغضبان: فبالرغم أن السريى التامة كانت على الجميع حتى من العصبى المسلمة ما عدا من اشترك فيها، عائشة وأسماء وأبو بكر وابن أريقط وابن فهيرة ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورسول الله – صلى الله عليه وسم -، ومع هذا كله تكشف جانب من الخطة فوق التقدير البشري، فتلقاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم بالتسليم المطلق: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ﴾ ما قولك في اثنين الله ثالثهما. وما أخرانا نحن وقد شهدنا عبقرية التخطيط للهجرة أن لا تغيب عنا هذه الجوانب الثلاث:
أولا: علينا أن ستفرغ الوسع وبذل كل الطاقة في التخطيط البشري.
ثانيا: أن يكون اتكالنا على الله تعالى دون اعتمادنا على الأسباب.
ثالثا: أن نقبل قضاء الله وقدره غيما هو فوق طاقتنا، ونطمئن إلى أنه خير للإسلام والمسلمين.
6 – وقال كذلك: إنه حين ينتهي الجهد البشري المطلوب، وحين تستنفذ الطاقة البشرية، فالله تعالى أرحم بنبيه وصاحبه من أن يجعلهما ظفرا لعدوهما، ولقد قرر الله تعالى في محكم التنزيل هذا المعنى، إذ أكد حمايته لنبيه ونصره له حين تخلت عنه قوة الأرض، وحين كان المسلمون كلهم كقوة قائمة في المدينة أو مختفية في مكة – ليس معه للحماية إلا إنسان واحد: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ التوبة 84.
فقوة الأرض كلها بعيدة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – المؤمنون والكافرون ووصل إلى قبضة الطاغوت، وأكد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لصاحبه: ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا ﴾.
والدعاة إلى الله عز وجل بجاجة دائما إلىأن يكون راسخا في أعماقهم دائما عون الله لهم حين تعجز قوتهم البشرية عن إدراك ما يخطط لهم العدو بعد استنفاذ الطاقة واستفراغ الوسع، وأن تكون لديهم القناعة التامة كذلك أن النصر أولا وأخيرا بيد الله.
7 – قال الغزالي ما ملخصه:
إن أسفار الصحراء توهي العمالقة الآمنين، فكيف بركب مهدر الدم؟ مستباح الحقز ما يحس هذه المتاعب إلا من صلى نارها.
وللعرب طاقة على احتمال هذا الشظف مع قلة الزاد ةالري، وقد مر بك أن الرسول – صلى اله عليه وسلم – وهو طفل – قطع هذه الطريق ذهب مع أمه لزيارة قبر أبه ثم عاد وحده، وإنه الآن ليقطعها وقد بلغ الثلاثة والخمسين، لا لزيارة أبويه الذين ماتا بالمدينة، بل لرعاية رسالته التي تشبثت بأرض يثرب جذورها بعد أن تبرت مكة بها وبصاحبها وممن حوله. إنه أرسخ أهل الأرض يقينا بأن الله ناصره ومظهر دينه بيد أنه أسف للفظاظة التى قوبل بها ’وللجحود الذى لاحقه من بدء رسالته حتى اضطره إلى الهجرة على هذا النحو العنيف ها هو ذا يخرج من مكة مهاجرا إلى الله.
8 – وقال أيضا لا نعرف بشرا أحق بنصر الله وأجدر بتأييده من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي لاقى في جنب الله ما لاقىن ومع ذلك فأن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استجماع أسبابه وتوفير وسائله، ومن ثم فإن رسول الله – صلى الله عله وسلم – أحكم خطة هجرته وأعد لكل فرض عدته ولم يدع في حسبانه مكانا لحظوظ العمياء.
وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة أن يقوم بها كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل بعد ذلك على الله لأن كل شيء لا قيام له إلا الله. فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه ثم أخفق بعد ذلك فإن الله لا يلومه على هزيمة بلي بها، وقلما يحدث ذلك إلا عت قدر قاهر يعذر المرء فيه، وكثيرا ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيبا حسنا، ثم يجيء عون الله عون أعلى يحمل هذا النصر مضاعف الثمار، كالسفينة التي يشق غياب الماء بها ربان ماهر، فإذا التيار يساعدها والريح تهب إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر، وهجرة الرسول – صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار.
9 – وقال الشيخ الخصري – رحمه اله -:
وبهذه الهجرة تمت لرسولنا – صلى الله عليه وسلم – سنة إخوانه من الأنبياء من قبله فما من نبي منهم إلا نبتبه بلاد نشأته فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء وخليل الله إلى عيسى روح الله ولكمته، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم فصبروا ليكونوا مثالا لما يأتي بعدهم من متبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في ذات الله.
قلت وذلك قال الله تعالى﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ إبراهيم 13.
10 – قال الغزالي: يا عجبا لنقائض الحياة واختلاف الناس ، إن الذي شهرت مكة سلاحها لتقتله ولم ترجع ولم ترجع عنه إلا مقهورة استقبلته المدينة وهي جزلاة طروب، وتنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد.
11- وقال محمد سعيد رمضان:
قد يخطر في بال المسلم أن بقارن بين هجرة عمر بن الخطاب وهجرة النبي – صلى الله عليه وسلم – ويتسائل، لماذا هاجر عمر علانية متحديا المشركين دون أي خوف ووجل، على حين هاجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مستخفيا محاطا لنفس، أيكون عمر بن الخطاب أشد جرأة من النبي – صلى الله عليه وسلم - ؟ والجواب أن عمر بن الخطاب أو أي مسلم غبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يعتبر تصرفه تصرفا شخصيا لا حجة تشريعية فيه فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له، وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى، أما رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو مشرع، أي أن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تعتبر تشريعا لنا، ولذلك كانت سنته هب المصدر الثاني من مصادر للتشريع مجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريره، فلوا أنه فعل كما فعل عمر لحسب الناس أن هذا هو الواجب، وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر والتخفي عند الخوف، مع أن الله عز وجل أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها، وإن كان الواقع الذي لا شك فيه أن ذلك بتسبب الله تعالى وإرادته لأجل ذلك، استعمل الرسول – صلى الله عليه وسلم – كل الأسباب والوسائل المادية التي يهتدي إليها، العقل البشري في مثل هذا العمل حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتد بها واستعملها، فترك علي بن أبي طالب ينام في فراشه ويتغطى ببرده، واستعان بأحد المشركين – بعد أن أمنه – ليدله على الطرق الفرعية التي قد لا تخطر في بال الأعداء، وأقام في الغار ثلاثة أيام متخفيا إلى آخر ما عبأه م الاحتياطات المادية التي قد يفكر بها العقل، ليوضح بذلك أن الإيمان بالله لا ينافي استعمال بالأسباب المادية التي أرادت حكم اله أن تكون أسبابا.
12 – وقال أيضا : وتكشف لنا الصورة التي استقبلت بها المدين سول الله – صلى الله عله وسلم – عن مدى المحبة التي كانت تفيض بها أفئدة الأنصار من أهل المدينة رجالا ونساءا وأطفالا، لقد كانوا يخرجون كل يوم إلى ظاهر المدينة ينتظرون تحت فح الشمس وول رول الله – صلى الله عليه وسلم – إليهم حتى إذا هب النهار ليدبر عادوا أدبارهم ليعودوا إلى الانتظار صباح اليوم التالي ، فلما طلع الرسول صلي الله عليه وسلم عليهم جاشت العواطف في صدورهم ،وانطلقت ألسنتهم تهتف بالقصائد والأهازيج فرحا لمرآه صلي الله عليه وسلم ومقدمه عليهم ،ولقد بادلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم نفس المحبة حتي إنه جعل ينظر إلي ولائد بني النجار من حوله وهم ينشدن ويتغنين بمقدمه قائلا : أتحببنني ؟ والله إن قلبي ليحبكن.
13 – وقال العلامة محب الدين الخطيب :
لو أننا فهمنا الحكمة التي انطوت عليها حادثة الهجرة ،وعلمنا أن كتاب الله الذي نتلوه قد أنحي باللائمة علي جماعة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم كانوا في مكة يصلون ويصومون ، ولم يهاجروا إلى قلعة الإسلام ليكونوا من جنوده المتحفزين لتغيير تلك الأنظمة ،لعلمنا أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة والصوم ،بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا أنظمته وآدابه في بيوتهم وأسواقهم وأنديتهم , ومجامعهم ودواوين حكمهم ,وأن عليهم أن يتوسلوا بجميع الوسائل لتحقيق هذا الغرض الإسلامي بادئين به من البيت وملاحظين ذلك في تربية من تحت أمانتهم من بنات وبنين ,ومتعاونين عليه مع من ينشد للإسلام الرفعة والازدهار من إحزانهم، حتى إذا عم هذا الإصلاح أرجاء واسعة، تلاشت تحت أشعته ظلمات الباطل، فكان لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مثل الآثار التي كانت لهجرة النبي وأصحابه الأولين.
روى مسلم في كتاب الإمارة في صحيحه عن أبي عثمان النهدي أن مجاشع بن مسعود السلمي قال: جئت بأخي أبي معبد إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة فقال – صلى الله عليه وسلم -: " قد مضت الهجرة بأهلها قال مجاشع: فأي شيء تبايعه؟ قال: "على الإسلام والجهاد والخير". قال أبو عثمان النهدي: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع فقال: صدق.
وفي كتب السنة وبعضه في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص ومقالة بن عبيد بن ناقد الأنصاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: المهاجر من هجر السيئات”. فإلى الهجرة يا مسلمون.
إلى هجر الخطايا والذنوب.
إلى هجر ما يخالف أنظمة الإسلام في بيوتنا، وما نقوم به من أعمالنا، إلى أجر الضعف والبطالة والإهمال والترف والكذب والرياء ووضع الأشياء في غير موضعها.
14 – قال الدكتور محمد أبو فارس:
إن الهجرة أهم حدث في الدعوة الإسلامية إذ بالهجرة تكون الكيان السياسي للأمة الإسلامية لنشر الإسلام والدفاع عن حرماته. ولأهميتها كان التأريخ بالهجرة ولم يكن بغيرها من الأحداث الهامة كالميلاد والبعثة أو وقعة بدر أو ما شبهه.
ولم يؤرخ المسلمون بتأريخ غيرهم حفاظا على استقلالية الأمة وتميزها. تعلمنا الهجرة كيف أن على الدعاة أن يبحثوا دائما عن أماكن خصبة للدعوة تكون مركز انطلاق ونواة وتأسيس.