العمل السياسي ... مفهومه وأبعاده

العمل السياسي ... مفهومه وأبعاده

أولاً: من الناحية النظرية

1- السياسة لغة: من ساس يسوس: بمعنى الأمور وحسن إدارها، يقال ساس الناس: بمعنى تولى رياستهم وقيادتهم، وفي الحديث النبوي "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي" : وسائس الدواب مروضها ومدربها وهو تقريباً نفس معناها العام المطلق المرادف لمعنى العمل الوطني، وهو الاهتمام بشئون الوطن والأمة وإصلاح أمورها والعمل على تقدمها ونهوضها.

2- السياسة بمعناها الاصطلاحي في العلوم السياسية، تعني مجموعة الشئون التي تهم الدولة، والطريقة التي يسلكها الحكام في مهامهم السياسية، وهي علم إدارة الدولة ونظامها الرسمي، والساسة هم قادة الدولة ومدبرو شئونها العامة.

3- وفي المجال القانوني الوضعي يقصد بالسياسة، ممارسة الحقوق السياسية، وهي حق المشاركة في الاستفتاء الذي يجرى لرئاسة الجمهورية وكل استفتاء آخر ينص عليه الدستور وحق المشاركة في انتخاب أعضاء مجلس الشعب ومجلس الشورى والمجالس الشعبية أو المحلية وتصويتا، وحق تكوين الأحزاب السياسية.

وتنص الماد (2) من القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية على أنه : (يقصد بالحزب السياسي كل جماعة تؤسس طبقاً لأحكام هذا القانون، وتقوم على أهداف ومبادئ مشتركة، وتعمل بالوسائل السياسية والديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وذلك عن طريق المشاركة في مسئوليات الحكم).

أما المشاركة في عضوية النقابات والجمعيات والمؤسسات الأهلية والنوادي والروابط الخاصة فلا تدخل في باب السياسة قانوناً ولكنها تدخل في إطار النشاط العام للمجتمع المدني والأهلي، وتعد من الحقوق الوطنية والإنسانية العامل لكل من تتوفر فيه شروط ممارستها، وإنما يمكن أن تدخل في المعنى المطلق للسياسة.

4- وفي الفقه الإسلامي تطلق السياسة الشرعية على: فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد والأضرار والمنافع وتقديم الأولويات والأهم فالمهم، فيما لم يرد فيه نص قطعي من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبشرط ألا تخالف المقاصد الشرعية ولا القواعد الكلية والمبادئ العامة في الشريعة الإسلامية، ونقل ابن القيم عن ابن عقيل أن السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا تزل به وحي فإن أردت بقولك إلا ما وافق الشع، ي لم يخالف ما ورد به الشرع فصحيح، وإن أردت لا سياسة إلا ما نطق به الشرع فغلط وتغليط للصحابة ((الطرق الحكمية ص 19، 20)).

كما يقصد بالسياسة أيضاً في العلوم الشرعية، تدبير أمور الأمة والرعية بالمعنى الاصطلاحي، وفي ذلك يقول المواردي في مقدمة كتابه: الأحكام السلطانية: (فإن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيماً خلف به النبوة [يقصد الأمة الكبرى أو الخلافة] وفوض إليه السياسة، ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح الأمة).

وخلاصة القول، استمداداً مما تقدم، أن الساسة لها عدة مستويات أو معاني: معنى عام مطلق واسع وهو أي نشاط يقصد به تحقيق مصلحة الأمة وخدمة الوطن وإصلاح شئونه والمساهمة في رفعه شأنه وتقدمه: ومعنى خاص اصطلاحي وهو الاشتغال بالشئون التي تهم الدولة، وطريقة إدارتها، ونظامها السياسي، ومعنى قانوني أخص مما تقدم، وهو ممارسة الفرد للحقوق السياسية التي يحددها القانون وبالكيفية والشروط المحددة فيه، وبعض هذه الحقوق مقررة لكل من تتوافر فيه شروط التمتع بها من المواطنين، وبعضها قاصر على ما يسمى بالأحزاب السياسية، وهي كل جماعة منظمة ذات برامج سياسية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى تنظيم وإدارة الدولة، وتسعى بالوسائل السياسية والديمقراطية، للمشاركة في الحكم لتحقيق برامجها.

*  *  *

ثانيهما: العمل السياسي: واقعاً وممارسة

العمل السياسي في الأساس، انعكاس للنظرة السياسية التي يتبناها الفرد أو الجماعة، إضافة للخبرة السياسية المتراكمة نتيجة الممارسة السياسية، ومع ذلك فقد أصبحت السياسة في العصر الحديث علماً وفناً كاملاً، له مفاهيمه وأصوله ومسلماته التي يتعين الأخذ بها لمن أراد الممارسة السياسية الناجحة ومن المفاهيم الأساسية في علم السياسة مما يلي:-

1- غاية السياسة، تحقيق الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى، غير أنها تنطلق من معطيات الواقع العملي وإمكاناته، في مرحلة زمنية معينة، والاستفادة من التجارب السياسية ودروس الماضي، وصولاً إلى اختبار الموقف الأمثل بدلالة الزمان والمكان والظروف، مع التدرج باستمرار نحو تحقيق الأهداف الإستراتيجية والطموحات الوطنية والقومية عملاً بالمفهوم السياسي القائل  ((إن السياسة هي فن الممكن)) دونما تفريط ولا تبديل.

2- المعطيات السياسية في تغيير مستمر، والعمل السياسي الناجح هو الذي يسهم في صناعة الأحداث ولا يكون مجرد ردود أفعال لها، فلابد من سرعة إدراك المتغيرات السياسية ودوام التفاعل معها وإلا بقى منعزلاً خارج دائرة الأحداث، وكان أقرب إلى الزمن الماضي دون أي تأثير في الزمن الحاضر.

3- السياسي المبدع هو الذي يستقرئ الأحداث ويتنبأ بوقوعها مستقبلاً يخطط لمواجهتها، ويوفر البدائل المستقبلية لمسار العمل السياسي في ضوء الظروف الواقعية والمصلحة العليا للأمة.

4- ضرورة الاستفادة من فهم القوانين والأنظمة المرعية ومراحل الانفتاح السياسية في البلاد.

5- ضرورة التفاعل الدائم بين السياسة والإعلام، فالسياسة الناجحة تثري الإعلام، والإعلام الفعال يسهل مهمة السياسي.

6- الأحداث الاستثنائية كالحروب والكوارث، تؤثر جذرياً في مجريات السياسة، فلأبد من تقييمها والاستفادة من دروسها في العمل السياسي.

7- بناء العمل السياسي على قاعدة معلومات صحيحة وموثقة وكاملة، وعلى التحليل العلمي، والاستنتاجات المنهجية والاعتماد على مؤسسات تنظيمية على درجة كبيرة من العلم والعقل والخبرة السياسية في تخيل توالي الأحداث السياسية وارتباطها، وتصور البدائل الممكنة، دون الاعتماد على الظنون والتصورات غير الواقعية.

*  *  *

 

اطبع المقالاطبع المقال
عودة إلى الصفحة السابقة