من وحي مولد النور –صلى الله عليه وسلم-
بقلم فضيلة الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب
|
الليــل طال ألا فجـر يبدده |
رباه أرســل لنا فلكًا وربانا |
|
هناك لاح سنا المختار موتلقًا |
يهدي إلى الله أعجامًا وعربانا |
|
يقود دعوته في اليمن باخرة |
تقل من أمّهــا شيبًا وشبانا |
|
السلم رايتها والله غايتهــا |
لم تبغ إلا هدى منه ورضوانا |
مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما أوسع القول في جوانب هذه الشخصية المصطفاة، رضينا بالله جل جلاله ربا، وبالإسلام الحنيف القويم دينًا، وبمحمد نبي الرحمة ورسول النعمة قائدًا وهاديًا، وبالقرآن المجيد نورًا وإمامًا ودستورًا، لم يحملنا على ذلك إرهاب أو إكراه، ولم يخامرنا في ذلك ريب أو اشتباه، بل آمنا عن اعتقاد ويقين، بأن هذا هو الدين القيم الذي يجب أن نحيا له، وأن نعمل به، وأن نلقى الله عليه؛ ولذلك كان من حقنا، بل من واجبنا أن نغار على هذا الدين، وأن نذود عنه، وندفع دائمًا سهام الضالين والمفترين، وأن نبصر المخدوعين والغافلين، وأن نذكر ونرشد الحيارى والتائهين.
وتفتقر المجتمعات الإسلامية في أيامنا الحاضرة إلى الأفراد الذين يثقون في أنفسهم، ويعتزون بما يمتلكون من خصائص ومميزات، ويتطلعون إلى أهداف كبيرة وغايات سامية وطموحات عالية، فالناس في زماننا لم يعودوا يثقون في أصالتهم الإسلامية، صغرت عليهم أهدافهم وكبرت في أعينهم منجزات أعدائهم، فضعفت هممهم، وخارت عزائمهم، ووهنت قواهم؛ ولذلك أصبحت أهدافهم صغيرة وتافهة يتمثل معظمها في نطاق قيم فردية أو في تعظيم ممتلكات شخصية.
إننا نحتاج في هذه الأيام إلى نفوس سامية، لها أهداف عالية علو السماء، ولها ثقة عظيمة في قدرتها على تحقيق تلك الأهداف ولو بعد حين، أما النفوس التي لا تتجاوز أهدافها حواجبها فإنها تميت الأمم، وتقتل همومها، وتئد عزائمها، وتضعف بذلك عن تحقيق الأهداف الصغيرة والكبيرة على السواء.
فهل من دعوة صادقة إلى أن نرفع أهدافنا إلى أهداف الإسلام العظيم إلى مستوى تحقيقها؟ أم نصر على أن نبقى على سفوح التلال وقيعان الوديان؟
ومن سنن الله- سبحانه وتعالى- أن المعاني المجردة لا تستقر في أذهان أكثر الناس ما لم تقترن بواقع محسوس، يوضح معالمها، ويشرح مبادئها، ويدل على إمكانية تطبيقها في عالم الواقع وفي دنيا الناس، وشاء الله- عز وجل- أن يجسد في رسوله الكريم- صلى الله عليه وسلم- مبادئ الإسلام وشريعته الخالدة، فأقامه نموذجًا عمليًّا واقعيًّا، هو قمة في الفضائل وجميع الكمالات التي يحتاج إليها البشر.. لتحقيق خلافة الله على هذه الأرض.
ومن المحال إدراك حقائق الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا، ما لم يقترب المسلم من رسوله- صلى الله عليه وسلم- ويصاحبه بوجدانه ومشاعره من أول حياته إلى نهايته، وما لم يتفهم كل جانب من جوانبها، وما لم يفقه كل أقواله وأفعاله التي صدرت منه في حرب أو سلم أو معاملة لأهله أو أزواجه، أو أصحابه، وضيوفه.
إن من البديهي أن لا يكون أمام المسلم مثال غير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهو المعين الذي لا ينضب، وصدق الله العظيم: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴾. الأحزاب 22.
إن أنبياء الله- تبارك وتعالى- وإن كانوا بشرًا من البشر، لكن الله يصطفيهم، فهم أفضل أهل الأرض قاطبة: أبرهم قلوبًا، وأصدقهم لهجة، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، هم أمناء الله على وحيه، وهم الأسوة والقدوة، سرهم وعلانيتهم سواء، ﴿ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَه ﴾، وقد تم بمولده وبعثته- صلى الله عليه وسلم- البناء، وكمل صرح الرسالات- جاء في الحديث الصحيح: "إن مثلى ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويتعجبون له، ويقولون، هلاَّ وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
سمات أساسية في حياته- صلى الله عليه وسلم:
1- لما كانت النبوة هي القدوة المطهرة للبشرية، التي أرادها الله وصنعها لتكون كذلك، فإننا نجد رعاية الله وعنايته وقدره أمرًا ظاهرًا ملموسًا في حياة الأنبياء منذ ولادتهم حتى التحاقهم بالرفيق الأعلى.
2- ولد- صلى الله عليه وسلم- من نكاح طاهر، فقد حفظه الله من كل سفاح بالرغم من أن السفاح هو من السمات الرئيسية في الحياة الجاهلية، وذلك أمر خطير بالنسبة لمكانة الرجال إذا كانوا في أقوامهم في مقام القيادة، فما بالنا بمكانة النبوة، جاء في الأثر: "ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح".
3- ولد- صلى الله عليه وسلم- في قمة بين الحسب والنسب في الجزيرة العربية، وذلك أمر له خطره في طبيعة القيادات بين الأمم في الدنيا، وقد كان لذلك الأمر خطره فعلاً، بقدر الله وتدبيره، فقد كانت له مهابته ومنزلته قبل النبوة، وقدر لمكانته من قريش أن يكون له من سيوف بني هاشم حماية قدرها الله في فترة حرجة من فترات الدعوة في مكة.
4- لقد أراد الله لرسوله أن يحمل أثقل دعوة من ناحية التكاليف، في تاريخ البشرية ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلاً ﴾ المزمل ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ َ﴾، هود 113 وذلك أمر الله وصنعه، فقد شرح الله صدره، بلا أدنى حرج لهذا الحق، فانفسح تمامًا، وقال لخديجة رضي الله عنها: "مضى عهد النوم يا خديجة"، وقام يدعو ويجاهد حتى أتاه اليقين.
5- في مستنقع الجاهلية، وبحر الشهوات الذي لا ساحل له، والذي لا يكاد ينجو منه أحد، حفظ الله رسوله، حتى من مجرد المشاركة الشكلية لهذه الجاهلية في سلوكها وقيمها.
ففي سن الفترة وفوران الشباب؛ حيث يلهو شباب الجاهلية، ويعبث بكل شيء، وجَّه الله قلب رسوله، إلى قمة الجبل، إلى "غار حراء"، بعيدًا عن الدنيا هناك، متأملاً في خلق الله، متفكرًا في هذا الكون من حوله، وسبحانه من وضع في كل قلب ما يشغله، فقلبه كالصفحة البيضاء الناصعة- صلى الله عليه وسلم.
6- النكاح له أثره في حياة الفرد، وفي وسط المجمع الجاهلي قدر الله لرسوله نكاحًا طاهرًا من امرأة طاهرة عفيفة؛ خديجة رضي الله عنها، ونعم الزوجة والمرأة، كانت وزير صدق، ومصدر سكينة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم بعث ودعا إلى الله.
هذه بعض السمات في حياة الداعية:
منبت طاهر وبيت أصيل، طهر وعفاف، عقل راجح يتدبر ويتأمل، خلق عظيم ثابت، توفيق وهداية وصلة عميقة بين الداعية وقومه يعرفونه من خلالها، ويلقبونه بالأمين، معرفة فيها الحجة والبرهان عليهم...
ويجب أن تعرف الأجيال المعاصرة من هو رسول الله، وعندها تقتدي به، ولا تقتدي بأصحاب الأفكار الباطلة والزعامات الأرضية الذليلة.
وعندها تفهم دينها فهمًا صحيحًا، وتفتح بذلك نوافذ الحياة الطيبة الصادقة، ويومها لا تخدع بسماع الكلام المعسول المنحرف، ولا تخضع خضوع العبيد لغير الإسلام عندما تقتدي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتعرفه، لن نجد أحدًا من أولادنا يقتدي بممثل ساقط أو مغنٍ تافه أو كاتب ملحد، أو عالم منحرف، أو زعيم مهرج.
وكل ما نراه على السطح من مصائب وانحراف، إنما هو نتيجة حتمية لفقد الكثير منا لمثاله الكامل الأصيل خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم.