فضيلة الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب
المساواة أمام القانون
1- هذا هو الإسلام
الإسلام يسوي بين الناس جميعاً في الناحية الإنسانية فلا فضل لأحد على أحد، يسوي بينهم أيضاً أمام القانون، وفي الحقوق العامة، فالجميع في هذه الناحية على قدم المساواة، حدث مرة أن عمر بن الخطاب في أيام خلافته رأى رجلاً وامرأة على فاحشة فجمع الناس وقام فيهم خطيباً وقال: "ما قولكم أيها الناس لو رأى أمير المؤمنين رجلاً وامرأة على فاحشة؟! فقال علي بن أبي طالب: "يأتي أمير المؤمنين بأربعة شهداء أو يجلد حد القذف، شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين!" فسكت عمر()
ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: "آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك – أي سو بين المتقاضين – وفي جميع الأمور، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك"()
ويأتي أسامة بن زيد – وكان من أحب الناس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم– ليشفع في فاطمة بنت الأسود المخزومية. وكان قد وجب عليها حد السرقة، فأنكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الموقف وانتهره قائلاً: "أتشفع في حد من حدود الله؟" ثم خطب الناس فقال: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه،، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"() .
2- مع أهل الكتاب:
والتسوية أمام القانون – في الإسلام – كما تكون بين المسلمين تكون بين المسلمين وغيرهم، وفي تاريخ القضاء الإسلامي أمثلة ووقائع وقف الخليفة فيها أمام القاضي مدعي عليه لصالح فرد عادي من أفراد الشعب لا حول له ولا قوة!.
وهذه الحادثة توضح ما نقول:
"سقطت درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح. قال علي: الدرع درعي ولم أبع ولم أهب، فسأل القاضي النصراني في ما يقول أمير المؤمنين. فقال: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت القاضي إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل لك من بينة؟ فضحك علي وقال أصاب شريح ما لي بينة، وقضى شريح للنصراني بالدرع لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينه بخلاف ذلك، فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمشي خطوات حتى عاد يقول أما أني أشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. الدرع درعك يا أمير المؤمنين. اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأورق. فقال الإمام علي: "أما إذا أسلمت فهي لك"()
لقد بلغ من دقة المسلمين في أخذهم لهذا الحق مبلغاً عظيماً والتزموا به التزاماً العجب ويعتبر مفخرة للدنيا في ناحية التطبيق أو التنفيذ.
3- المظلوم ينال حقه:
ومن مفاخر النظام الإسلامي ما منحه من حريات حتى وجد المظلوم – أياً كان دينه وجنسه – حقه كاملاً. فقد شكا يهودي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى عمر بن الخطاب في خلافة عمر فلما مثلا بين يديه خاطب عمر اليهودي باسمه، بينما خاطب علياً بكنيته فقال: "يا أبا الحسن"، فظهرت آثار الغضب على وجه علي، فقال له عمر: أكرهت أن يكون خصمك يهودياً، وأن تمثل معه أمام القضاء على قدم المساواة! فقال علي: لا ولكني غضبت لأنك لم تسو بيني وبينه، بل فضلتني عليه إذ خاطبته باسمه بينما خاطبتني بكنيتي والخطاب بالكنية من أساليب التعظيم".
أرأيت إلى هذا المستوى الرفيع الذي وصل إليه أسلافنا وكيف خرجوا من حظ نفوسهم وأصبح كل همهم إقامة منهج الله بين الناس؟! -رضي الله عنهم وأرضاهم-.
4- الحرية التي أحست بها الشعوب:
وأبر الأمثلة على ذلك وأشهرها علي الإطلاق قصة القبطي مع عمرو بن العاص، حيث تعدى ابن عمرو على ابن القبطي وضربه بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين، فما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه، فاستدعى عمر عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي وقال له: اضرب ابن الأكرمين. فلما انتهى من ضربه التفت إليه عمر وقال له: أدرها على صلعة عمرو فإنما ضربك بسلطانه. فقال القبطي إنما ضربت من ضربني، ثم التفت عمر إلى عمرو، وقال له: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"؟!.
هذه بعض المقتطفات من التاريخ الإسلامي تشير إلى مدى المساواة التي طبقها المسلمون بصرف النظر عن كل اعتبار للأشخاص أو النظر على دين المظلوم أو عقيدته. فبمجرد أن يشكو يجد من سمع شكواه وينصفه من ظالمه، مهما يكن مركزه ومكانه في دنيا الناس.