بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف:
مع رسول الله القدرة والأسوة
إنه من المحل إدراك حقائق الإسلام كلها "عقيدة وشريعة وسلوكاً، ما لم يعش الإنسان الذي يريد أن يدرك تلك الحقائق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من أول حياته إلى نهايتها، وما لم يتفهم كل جانب من جوانب حياته – بأبي هو وأمي – وما لم يفقه كل قول أو فعل أو تقرير صدر عنه في حالتي السلم والحرب، وما لم يفهم علاقاته الاجتماعية وأوضاعه الحياتية المتنوعة مع نفسه وأسرته ومجتمعه، ومع محبيه ومع أعدائه.
إذن فرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هو المثل الأعلى للكائن الحي في هذا الوجود، ومن البديهي، من باب أولى أن لا يكون أمام المسلم مثال غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو المَعين الذي لا ينضب ماؤه، وهو الذي يقوم عليه وحده، أساس وجوده الإسلامي.
ومتى فكر المسلم ولو للحظة واحدة أن يتخذ مثالاً في أيّة قيمة من قيم الحياة، وأي معنى من معانيها، وفي أي موقف من مواقفها غير رسول الله، فليعلم أن إيمانه بدأ بالانحراف عن خط سيره المرسوم، وأن حياته قد شَرَعت تستسلم إلى الضلال، والعياذ بالله –تعالى-.
على أن الواقع الإنساني يشهد على ذلك، فلو جاء مفكر منصف، فوضع نماذج المثالات كلها بجانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وجدها تضؤل وتتلاشى أمام بريق النور المحمدي كالشمس المشرقة التي تطارد خيوط الضياء الصادر من النجوم والكواكب.
حتى الأنبياء والمرسلون – صلوات الله وسلامه عليهم- الذين شهد الله -سبحانه وتعالى- لهم، وشرفهم بمقام النبوات والرسالات، وأجمعت البشرية على كمالاتهم وفضلهم، وسمو أخلاقهم، فهم يمثلون بمجموعهم الكمالات التي كانت مجسمة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا غرابة في ذلك، فهو أمامهم وسيدهم وخاتمهم.
خذ على سبيل المثال حياته قبل النبوة في جميع جوانبها، تجد حياة نظيفة صادقة أمينة، فهي كالصفحة البيضاء الناصعة التي لا تجد فيها خدشاً أو نقطة، منهما صغرت، ولذلك فإن قومه قد اتخذوه مثالاً في القيم الإنسانية التي جبلت النفس الكريمة عليها وتلك القيم لم تكن خاصة بهم، ولم تكن تعبر عن مواقف زمانية ومكانية تمثل فترة أو مرحلة أو حاجة معينة.
ثم خذ حياته بعد النبوة فسوف تجده مثالاً كاملاً في قوة الإيمان بالله، والثبات على المبدأ، والصرامة في الحق، والصدق في القول والعمل، والوفاء لكل الناس، والحب لجميع الخلق، والعدل المطلق في الحكم، والشجاعة المنقطعة النظير في الحرب، وحب الخير للإنسان، والدفاع عن المظلوم والأدب في الخطاب والبشاشة في اللقاء، ومؤاساة المنكوب، وحمل جراح المكروب... وهكذا المثل والقيم التي يصعب تعدادها، ستجد في جميعها كاملاً ليس بمقدور العقل الإنساني، لو فكر متجرداً عن الهوى أن يتصور أن هنالك شيئاً زائداً على ما سيجد فيه من تلك المقامات العالية، والأخلاق الإنسانية السامقة.
وهنا قد يسال المتأمل سؤالاً فيقول:
هل يكفي الإدراك العقلي لمراحل حياة النب صلى الله عليه وسل، وتفهم أسرارها نظرياً، لتحقيق الهدف من وجود هذا المثال الكامل؟
أقول: "إن هذا لا يكفي ما لم يتجاوز المسلم مرحلة الاقتناع العقلي إلى مرحلة العشق القلبي، فكثير من الناس من هم مقتنعون بالإسلام فكراً ونظراً، ثم إن حياتهم تملؤها ثغرات المخالفة للإسلام.
وكثير من الناس من هو مقتنع فكراً ونظراً بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أعظم مخلوق، وأكمل مثال، ثم أنهم لم يستفيدوا من ذلك المثال، لتربية نفوسهم، وتوجيه عقولهم، وتعديل واقعهم، أي أنهم في حياتهم الواقعية لم يتأثروا بواقع الرسول الكريم – بأبي هو وأمي – لأنهم لم ينتقلوا بعد إلى مرحلة المحبة والعشق، ومن المعلوم أن الإنسان إذا تأثر بالمعشوق، وحاول أن يعيش في ظله، جاهد أن يرضيه، ويلبي مطالبه حتى يحصل على رضاه.
ومن هنا كان عشق صحابة الرسول الأعظم له نوراً أشرق على قلوبهم فأحياها، وأنقذها من ظلمات المخالفة، وحال بينهم وبين الوقوع في المهالك، عن طريق الارتباط بالمثالات المزيفة في الحياة.
ومن أجل إدراك هذه الحقيقة الكبرى، ومن أجل تذوق جمال العيش في ظل الرسول الحبيب، أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحبه أكثر من أنفسنا وأكثر من آبائنا وأكثر من أمهاتنا وأكثر من جميع المخلوقات في هذا الوجود لأنه كان يعلم – بأبي هو وأمي أننا إذا أحببناه أحببنا كمالاته، واقتدينا به فيها، وأحببنا الإسلام، تمسكنا بهدي القرآن، إذا الرسول هو الطريق إلى القرآن وفهمه، فعدم الحب القلبي له، وعدم تمثله في الواقع هو حجاب كثيف بيننا وبين الله سبحانه وتعالى، وبيننا وبين كلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولكن كيف الصول إلى عشق الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم-؟
أقول: لابد أن نكون حول أنفسنا جواً روحياً ننتقل فيه إلى عصر الرسول الكريم، لنعيش منعه في كل لحظة من لحظات حياته المباركة، وفي كل حدث من أحداثها المفعمة بطاقات مشحونة بالعبر والدروس، أي المطلوب منا أن نصاحبه بروحنا وعقولنا ووجداننا، نستمع غليه وهو يتلكم، نأتم به وهو يصلي ويدعو، نحج معه، وهو يؤدي المناسك والشعائر، ونعيش معه الآلام التي عاشها، ونستحضر في أذهاننا كل هزة من الهزات العنيفة التي صاحبت حيات.ه، نهاجر معه، ونعيش بناء المجتمع الإسلامي في المدينة، كما عشنا الصراع في سبيل قيامه في مكة، ثم نلبس دروعنا ونحمل السيف لنقاتل معه الشرك وأهله ونصارع الباطل وأنصاره ولا يكون ذلك إلا بالعيش وبين كتب السيرة نقراً فيها في حالات الصفاء القلبي، والنقاء الفكري، معزولين عما حولنا ساعات في الأسبوع أو أياماً في الشهر حتى تسري حياة الرسول وسيرته المباركة، بما فيها من عبودية ودعوة وجهاد وعمل وبناء وخلق في عروقنا وحتى نمثل بين يديه صلى الله عليه وسلم، فيشرق على قلوبنا، ليطرد كل التعلقات الفاسدة التي تربطنا بأشخاص غيره وأبطال مزيفين من دونه.
وهذه العملية التصورية الواقعية تفيد الصغير أكثر من الكبير، فنحن إذا أردنا أن يتربى أولادنا على حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتمسك الفعلي بمبادئ الإسلام نقلناهم إلى الأحداث التي عاشها نبيهم كي يبدأوا هم بمعاناة تلك الأحداث، حتى يداخل حب الرسول قلوبهم شيئاً فشيئاً، فيملأ فراغها كله، فلا يبقى بقية لحب سواه، والأطفال بطبيعتهم يميلون إلى المشاهد المحسوسة، ولا يفهمون الأفكار المجردة، وإنما يتقبلون برغبة فائقة الأحداث الواقعية تقدم إليهم في قصص مشوقة جميلة، ولكما يكبر الطفل يزاد مجال مرئياته لحياة الرسول، حتى يطلع على جميع جزئياته وحتى تصبح حياة نبيه الأكرم جزءاً من حياته اليومية ويفهم الأفكار الإسلامية من ثنايا حياة الرسول العملية، ويتصور الإسلام كاملاً من خلال مثاله الكامل.
ويم أن يعرف جيلنا المعاصر من هو رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي – يحبه، فإذا أحبه ملك عليه نفسه، فلم يقتد بغيره من أصحاب الأفكار الباطلة،، والزعامات الأرضية الذليلة بأيدي شهواتها، وفهم دينه فهماً دقيقاً، وفتح بذلك أمامه نوافذ الحياة المستقيمة الصادقة، ويومئذ لا يخدع بسماع الانحراف في معسول الكلام، ولا يخضع العبد لغير الإسلام، ولا لمثال غير مثاله الواقعي الخالد على الأيام.
وبناء على ذلك فإن العيش مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام -رضوان الله تعالى عليهم-، معايشة واقعية بالنسبة إلى الناشئة أفضل من تحفيظهم أقواله، وأكثر فائدة،، وأجدى في تقويم السلوك، وبناء الشخصية،، ومعالجة الأمراض القلبية والانحرافات الخلقية.
فالطفل الذي يحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من خلال معايشته لأحداث حياته الزاخرة بالبطولات الربانية والقيم والعبر والدروس، يسهل عليه في المرحلة التالية حفظ أقواله، لا بل يحفظها عن طواعية وإيمان دون توجيه سابق مخطط، وعند ذلك تكون تلك الأقوال جزءاً من حياته، إذ هو فهمها عن طريق فهم مقدماتها وواقعها النبوي الكريم.
فإن أدركنا هذه الحقيقة الواضحة في كيفية بناء الكيان الفكري والسلوكي لأبنائنا وجسدناها فيهم تجسيداً راسخاً، فإنهم سيعرفون طريقهم، ويفهمون قرآتهم، ويصححون موازينهم.
فعند ذلك لن تجد أحداً من أبنائنا يتخذ ممثلاً داعراً، أو مغنيا تافهاً، أو كاتباً ملحداً، أو عالماً منحرفاً، أو زعيماً مهرجاً،ن مثالاً يقلده ويتخذه نموذجاً له في الحياة يعبده من دون الله -سبحانه وتعالى-.
وما المصائب التي حلبت بجيلنا الحالي من تفاهة في المنطق وانحراف في الخلق وضياع في شؤون الحياة وانحراف في مجالات الفكر، وعدم مبالاة بقيم الإسلام وتجاوز لحرماته، وتحد لشعائره، إلا نتيجة حتمية لفقد أمتنا – وا أسفاه - لمثاله الكامل الأصيل الذي هو خام الأنبياء والمرسلين سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله، -صلوات الله وسلامه عليه-.