أصوات حبيبة من الماضي القريب في ضرورة التقريب بين المذاهب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

تعريف الشيعة: هم أقدم المذاهب السياسية الإسلامية ظهروا بمذهبهم في آخر عصر سيدنا عثمان -رضي الله عنه-، ونما مذهبهم في عهد علي -رضي الله عنه-، والشيعة ليسوا على درجة واحدة، بل كان منهم الذين غالوا في تقدير علي وبنيه، ومنهم المعتدلون وقد اقتصر هؤلاء على تفضيله على الصحابة وبهذا سلكوا طريقاً وسطاً، ولا شك أن الشيعة فرقة إسلامية إذا استبعدنا الذين ألهوا علياً ونحوهم، وهم فرق كثيرة، ولسنا هنا في موضع بحث عن هذه الفرق في هذا المقام لأننا نريد أن يتلاقى جميع المسلمين وأن يتعاونوا وأن يقدروا الموقف الشديد الذي هم فيه

راجع في هذه المقدمة كتاب الملل والنحل.

ولم يعد خافياً على أحد ما يديره أعداء الإسلام، فإن أعداء الإسلام درجوا من قديم على الحيلولة بين التقاء التوجهات المختلفة في العالم العربي والإسلامي على كلمة سواء وحول حوار صحيح يقرب ولا يباعد ويدفع إلى الاتفاق والوفاق لا إلى الحرب والخصام، وأبرز مثل على ذلك محاولات إثارة الفتنة بين السنة والشيعة، بمحاصرة المد الإسلامي ومنع تأثيره من جمع كلمة المسلمين لمواجهة أعداء الإسلام من صهاينة وغيرهم.

وإذا كانت محاولات التقريب من زمن بعيد لم توفق كثيراً، فإن المحاولة الأخيرة قد حققت بعض النجاح لأن الذين قادوها من الفقهاء والعلماء والدعاة في الماضي القريب، كانوا رجالاً قد أخلصوا العمل لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولصالح الأمة وقد سبقهم في ذلك الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه وأرضاه- فقد بلغه أن بعض الخوارج قد خرجوا عليه فأرسل لهم رسالة يقول فيها "بلغني أنكم خرجتم غضباً لله ورسوله ولستم في هذا بأولى مني فتعالوا لنتحاور، فإن كان الحق معنا لزمكم أن تتبعونا، وإن كان الحق معكم نظرنا في أمرنا" وبلغتهم الرسالة فأقبلوا واقتنعوا بالنداء الصادق المخلص المتجرد، وجلسوا مع الإمام في المسجد وأخذ يسمع منهم ويصحح لهم ويبين لهم بالكلمة الطيبة والنظرة الصحيحة فاقتنعوا جميعاً وأعلنوا رضاهم ورجعوا عما كانوا فيه من خروج على أمة الإسلام، وصححوا نظرتهم، وراجعوا أنفسهم وتابوا مما كانوا عليه، وهذا ما نحتاج إليه اليوم بل والأمس من جميع المؤتمرات والحوارات أن يوجد هذا النوع على مثال عمر بن عبد العزيز في صدقه وإخلاصه، وتجرده وحرصه على وحدة المسلمين، والإسلام دين يدعوا للتأمل والتدبر والتفكر ويحض على الصدق والإخلاص، يدعو الإسلام إلى الحوار ويثيب المجتهد حتى إذا أخطأ وله أجر وإن أصاب له أجرين.

وقد ساهم العلماء الدعاة في بناء نماذج من التعاون بين السنة والشيعة وكان صوت الإخلاص في الماضي القريب يدوي "هلموا" للتسامح، ألفظوا التقليد المذموم والتعصب الممقوت، وكفوا عن إصدار الأحكام على الآخرين فإنه أمر في غاية الخطورة، فنحن دعاة ولسنا قضاة".

ولقد كانت جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في العصر الحديث منارة لحل هذه المشاكل حلاً جزرياً في ظل الحب والإخوة، شارك فيها الإمام الشهيد حسن البنا وشيخ الأزهر الإمام الأكبر عبد المجيد سليم والإمام مصطفى عبد الرازق والشيخ شلتوت -رحمهم الله- وساهم فيها الإمام القمي من الشيعة وتم التعاون بين حركة الإخوان والشيعة لرأب هذا الصدع وتوحيد كلمة المسلمين وتحت راية أن القرآن للجميع نزل ليوحد بينهم والدين واحد، والرسول واحد، والقبلة واحدة وقبل ذلك وبعده يعبد الجميع رباً واحداً لا إله إلا هو. تحت هذه الراية الإسلامية التقى الجميع وتحاور الجميع.

وتم التفاهم والحوار البناء بين الإمام البنا وعلماء الأزهر من جانب وعلماء الشيعة، حتى قال أحد علماء الغرب (أوربرت جاكسون صاحي متاب الرجل القرآني)  "إن هذا الرجل" يقصد الإمام "لو طالت به الحياة لكان من الممكن أن يحقق الكثير لبلاد الإسلام وأن يزيل الخلاف بين الشيعة والسنة ليقرب بين المذاهب الإسلامية".

ويقول الأستاذ عمر التلمساني -رحمه الله- "وفي الأربعينيات على ما أذكر كان السيد القمي وهو شيعي ينزل ضيفاً على الإخوان ووقتها كان الإمام البنا يعمل على تقريب بين المذاهب حتى لا يتخذ أعداء الإسلام الفرقة بين المذاهب منفذاً يصل من خلاله إلى تمزيق الوحدة الإسلامية، ثم يقول وسألناه يوماً عنه مدى الخلاف بين أهل الذمة والشيعة فنهانا عن الدخول في مثل هذه المسائل الشائكة التي لا يليق بالمسلمين أن يشغلوا أنفسهم بها، والمسلمون على ما نرى من تنابذ يعمل أعداء الإسلام على إشعال ناره، قلنا فضيلته "نحن لا نسأل عن هذا التعصب أو لتوسعة الهوة بين المسلمين ولكننا نسأل للعلم لأن ما بين السنة والشيعة مذكور من مؤلفات لا حصر لها، وليس لدينا من سعة الوقت ما يمكّننا من البحث في تلك المراجع" فقال الإمام رضوان الله عليه: اعلموا أن أهل السنة والشيعة مسلمون تجمعهم كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وهذا أصل العقيدة، والسنة والشيعة فيه سواء وعلى التقاء، أما الخلاف بينهم فهو من الأمور الممكن التقريب فيه بينهما".

ويقول الشيخ الغزالي -رحمه الله- في كتابه دفاع عن العقيدة والشريعة وجاءني رجل من العوام، مغضباً يتساءل: كيف أصدر شيخ الأزهر الشيخ شلتوت فتواه بأن الشيعة مذهب إسلامي، كسائر المذاهب المعروفة؟ فقلت للرجل ماذا تعرف عن الشيعة؟ فسكت قليلاً ثم أجاب، ناس على غير ديننا فقلت له: لكني رأيتهم يصلون ويصومون كما نصلي ونصوم، فعجب الرجل وقال: كيف هذا؟ قلت له والأغرب أنهم يقرءون القرآن مثلنا، ويعظمون الرسول، ويحجون إلى بيت الله الحرام، قال: لقد بلغني أن لهم قرآناً آخر، وأنهم يذهبون إلى الكعبة ليهدموها فنظرت إلى الرجل وقلت له: أنت معذور أن بعضاً يشيع عن البعض الآخر ما يحاول به هدمه وجرح كرامته مثلما يفعل الأمريكان بالروس، أو الروس بالأمريكان، كأننا أمم متعادية لا أمة واحدة].

وجاء أيضاً في كتاب الشيخ الغزالي: "كيف نفهم الإسلام" يقول: [ولم تنجح العقائد عقبى الاضطراب الذي أصاب سياسة الحكم ثم يقول: "فإذا المسلمون قسمان كبيران، شيعة وسنة مع أن الفريقين يؤمنان بالله وحده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم"

ويقول الإمام الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه "تاريخ المذاهب الإسلامية":

لا شك أن الشيعة فرقة إسلامية إذا استبعدنا مثل السبئية "أتباع عبد الله بن سبأ الذين ألهوا علياً، ومن المعروف أن الإثنا عشرية يعتبرون من السبئية. كفار وأن سبأ ليس أكثر من وهم ولا شك أنها في كل ما تقول تتعلق بنصوص قرآنية أو أحديث منسوبة إلى النبي، ويقول أيضاً: "إنهم يتوددون إلى كل من يجاورهم من المسلمين ولا ينافروهم"، كما يقول "إننا إذا رجعنا إلى كتاب الأصول عن إخواننا الإثنا عشرية" نجدهم يعتمدون على الكتاب وعلى السنة وعلى العقل وعلى الإجماع".

يقول الشيخ حسن أيوب في كتابه تبسيط العقاد الإسلامية: "الشيعة أقدم الفرق الإسلامية ولم يكن الشيعة على درجة واحدة بل منهم المغالي والمقتصد وقد اقتصد المعتدلون على تفضيل علي على باقي الصحابة من غير تكفير أو تفسيق لأحد".

وفي كتاب إسلام بلا مذاهب: يقول الدكتور مصطفى الشكعة: "والإمامية الإثنا عشرية هم جمهور الشيعة أناس يعيشون بيننا هذه الأيام تربطهم بنا نحن أهل السنة روابط التسامح ونسعى إلى تقريب المذاهب لأن جوهر الدين واحد ولبه أصيل ولا يسمح بالتباعد، ثم يتحدث عن هذه الطائفة التي تشكل غالبية سكان إيران اليوم ومن اعتدالهم ويقول: "فهم يبدأون من المقالات التي جاءت على لسان بعض الفرق ويعدونها كفراً وضلالاً".

ويقول المفكر الإسلامي أنور الجندي في كتاب "الإسلام وحركة التاريخ " :"قد كان تاريخ الإسلام حافلاً بالمخالفات أو بالخلافات والمساجلات الفكرية وبالصراع السياسي بين السنة والشيعة ولذلك حرص الغزو الخارجي الممتد من الحروب الصليبية إلى اليوم أن يعتري هذا الخلاف وأن يعمق أثاره حتى لا تلتئم وحدة العالم الإسلامي" .

وكانت حركة التغريب وراء الإيقاع بين السنة والشيعة وتفتيت كلمتهم وإزكاء الخصومة بينهم وقد تنبه السنة والشيعة لهذه المؤامرات وعملوا على تضيق شقة الخلاف.

ويقول شيخ الإسلام الشيخ عبد الحليم محمود: بعد أن عدّد فرق الشيعة "أما الغلاة فقد بادوا وانقرضوا وقد تبرأ منهم الشيعة الإمامية منهم والزبدية".

وتقول الداعية المجاهدة الحاجة زينب الغزالي رحمها الله – وقد وجه إليها هذا السؤال ما رأيك في التقريب بين المذاهب الإسلامية أجابت "لا شك أن هناك مؤامرة صهيونية. وأرى أن الشيعة الجعفرية والزيدية مذاهب إسلامية مثل المذاهب الأربعة لدى السنة وعلى عقلاء السنة والشيعة وعلى قيادات السنة والشيعة أن يجتمعوا في صعيد واحد وأن يتعاونوا على ربط المذاهب الأربعة والمذهب الشيعي بعضها ببعض كذلك مذهب الظاهرية لابن جزم، وأدعو إلى اجتماع علماء الإسلام في كل المذاهب للتصدي لتلك المؤامرة الصهيونية. ثم تقول ولي أنا شخصيا تجربة في هذه المسألة فقبل عام 52 كانت هناك جماعة التقريب بين المذاهب والتي كان يشرف عليها الشيخ شلتوت والشيخ القمي وقد شاركت في عمل تلك الجماعة بمباركة الإمام الشهيد حسن البنا أن المسلمين سنة وشيعة وأن الخلاف المذهبي لا يفرق وحدة الأمة، وكان الإخوان المسلمون متعاونين مع هذه الجماعة على أساس أن المسلمين يد واحدة، إله واحد، كتاب واحد، رسول واحد، حلال واحد، حرام واحد، نظام سياسي واحد، اقتصاد واحد، نظام واحد، دولة واحدة من أجل تطهير العالم من الظلم والزور والخديعة التي تمارسها القوتان الكبيرتان، فيجب أن يكون السنة والشيعة على قلب واحد"؟

 راجع حديث الحاجة مجلة العالم لندن عدد 58 1/1985م.

وبعد

فإذا كان هذا رأي الإمام البنا وأبو زهرة والتلمساني والغزالي وأنور الجندي – رحمهم الله-والدكتور الشكعة والمستشار البهنساوي والمودودي وحسن أيوب ومشايخ الأزهر من أعلام المسلمين وقادتهم فماذا تعني هذه الأصوات الغريبة التي نسمع عنها من وقت لآخر تدعو للتكفير والتفريق وإشعال نار الفتنة وتبث الكثير من الأحقاد في الصدور ماذا يريد عملاء البغضاء والوقيعة غير تفرق المسلمون بينما سيف الجلادين والمستكبرين معلق فوق رقابنا.

اطبع المقالاطبع المقال
عودة إلى الصفحة السابقة