الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعـــد
فهذه كلمة الشهر، حول هذا الدين العظيم، والحياة التي يحملها للعالم، والخبر الذي يجب أن يسود بين طوائف الأمة جميعاً فهو يهذب الأخلاق، ويربي الأمة على التعاون والتآخي بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون﴾ الجاثية 18.
إنها شريعة واحدة، وطريق واحد، وما عداها أهواء، وإن إيمان العاملين للإسلام يجب أن يكون يقينا جازما، بأن هويته ثابتة ربانية ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُون﴾ البقرة: 138.
وإن الإسلام طريقه الوحيد، وعنوانه الدائم، وصفته الثابتة، وأن هذه الرسالة الخالدة تقوم عليها وحدة إنسانية عظيمة، واسعة الآفاق، بريئة من التعصب، فوق الأجناس والألوان، ميزان التفاضل التقوى، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ الحجرات: 13. " لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى" وعالمية المنهج الإسلامي تجسد الصبغة الإنسانية فيه، وتمنحه القدرة على استيعاب مشاكل الحياة المتجددة، وشمول المنهج الإسلامي، هو الصبغة التي تميزه عن سواه من المناهج الأرضية، ولذك كان الإسلام هو المنهج القادر على سد احتياجات الحياة إنسانية وتشريعية وتوجيهية وفردية وجماعية، وصدق الله العظيم ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ الملك: 14 وقال جل شأنه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شهيدا البقرة:143 وقال سبحانه ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُون﴾ الأنبياء:10.
وهذه هوية الأمة المسلمة.. أمة وسط لا تغلوا في دينها، ولا تتعصب، ولا تجمد وتغلق أبوابها، وترفض التجارب والمعارف لكنها تستمسك بما معها من مناهج وأصول وثوابت ثم شعارها الحكمة.
وقفة مع بعض المتحاملين:
وهناك من بعض الكتاب والعلمانيين وغيرهم أغلق كل الأبواب أمام الإنصاف والاعتدال، إنه يشك في نيات كل من يدعو إلى حكم إسلامي، أو يتدخل بالسياسة مستنداً إلى الشرع وأحكامه، ولا يريد أن يكف عن الهجوم، فالجميع في نظرهم متهمون بلا استثناء، وقصدهم سياسي بحت يلبسونه ثوب الدين، وما من أحد منهم يبدأ بالدين أو ينطلق منه إلا إلى السياسية وهذا كله افتراء ولا أساس له.
أما التهمة الأخرى فهي اتهام الدعوة إلى الإسلام والعمل له بالدعوة إلى الفتنة، وهذا غير صحيح ويقصد بالفتنة بين الملمين وغيرهم وهذا أمر في غاية الفرابة أو هو افتراء ولا دليل عليه ووقائع التاريخ الصحيح تقول بعكسه تماماً.
المسلمين وغيرهم، وجميعهم عاشوا أربعة عشر قرناً من الزمان في ظل دولة تطبق الشرع الإسلامي، ولم يحدث خلاف أو فتنة بل الذي حدث هو البر والتعاون على المعروف والتزود والمعاملة الحسنة كما أمر القرآن الكريم فلو كان الإسلام وحاملوا رايته مصدري الفتنة فهل كان وجهة مصر بأهلها على ما هم عليه الآن؟ هذا هو الإسلام الذي كان لفترات طويلة من الزمن قوة دولية كبرى، وكان غير المسلمين فيها بلا نصير خارجي أو داخلي غير المسلمين.
ولهذا كان الواجب على من يحرص على وحدة الأمة عدم اللجوء إلى العصبية الطائفية وإثارتها في وجه الإسلام والمسلمين الذين لم يصدر عنهم أي إساءة لأحد.
هذا افتراء يحتاج إلى دليل، ونسوق الأدلة على عكس هذا، لكن متى كان الإسلام هو الخطر على الأمة أو على وحدة الشعوب وعلى كيانها فيا ليتنا ننظر حوالينا جيداً لنرى أعداء الأمة في الكيان الصهيوني، وفي أساطيل الدول الكبرى وفي سموم الإعلام العالمي والحملات الظالمة على الإسلام لنرى أن الخطر على الأمة لا يمكن أن يأتي من الإسلام عقيدة ونظاماً وحكماً،ن وإنما من التغريب، والتبعية والديون، والاستبداد والانحلال الأخلاقي وتلاعب أكثر السياسيين المحترفين وفسادهم وفجورهم.
وهذه شهادات من كبار العقلاء والمفكرين من غير المسلمين نسوقها لعل البعض يراجع ما يدعيه، وما يردده من أباطيل.
يقول الكاتب الإنجليزي المعروف "أرثر جلين ليونارد": إن أمر الأوربيين عجيب فإنهم ما يرحوا يقفون مواقف الخصم المناصر المعادي للمسلمين ولست أدري سبباً يدفعهم إلى الإحجاف بحقوق المسلمين أو إنكار فضائلهم على العالم كله " ثم يقول: "ألم يحن الوقت أن نعترف نحن الذين بلغنا أعلى قمم الحضارة كما نزعم بأنه لو لم يكن التهذيب الإسلامي ومدنية المسلمين وعلومهم وثقافتهم وعظمتهم وحسن نظام جامعاتهم لولا هذا كله للبثت أوربا تتخبط في ظلام بهيم، هل نسينا أن التسامح الإسلامي يختلف كل الاختلاف عن التعصب الذميم الذي اتصفت به أوروبا من قبل ولا تزال تتصف به؟؟ وليت أمر الخصومة والعداء اقتصر على الأوربيين بل تعدى إلى غيرهم.
ويقول الكونت "دي كاستري": "لقد درست تاريخ النصارى في بلاد الإسلام فخرجت منه بحقيقة مشرقة: هي أن معاملة المسلمين للنصارى تدل على لطف في المعاشرة وترفع عن الغلظة وعلى حسن مسايرة ورقة مجاملة، وهذا إحساس لم يؤثر عن غير المسلمين" ثم يقول: "لقد تسامح المسلمون مع الأسبان وحاسنوهم حتى صاروا في ظلهم أهنا عيشا مما كانوا عليه في أي وقت مضى.
الأهداف
إن أهداف العاملين للإسلام التي هي أهداف الإسلام وغاياته، تشمل شئون الحياة كلها ويدخل تحتها كل دقيق وجليل من أمر الفرد والأمة، والإسلام لا يفرق بين الدين والدولة ولا يفصل بين الدنيا والآخرة، وإنما هو دين ودولة وعبادة وقيادة.
وقد أمر الله جل شأنه أن يؤخذ هذا الدين جملة، وجعله كلا لا يتجزأ فلا يجوز أن نؤمن ببعض ونترك البعض الآخر ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون﴾ البقرة: 85 ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْك﴾ا لمائدة: 49.
والعاملون للإسلام عند أمر الله حينما يتناولون أمر هذا الدين فهم لا يستهدفون غلا ما استهدفه الإسلام، ولا يتوسلون في بلوغ هذه الأهداف إلا بالوسائل التي يقرها الإسلام، وهم حينما يزاولون نشاطهم المتعدد ليس لهم الخبرة فيما يأخذون وما يدعون وإنما هم مقيدون بأحكام الإسلام ونازلون على أمر الدين، والإسلام يفرض على المسلم أن يعمل لخير الأمة بكل طوائفها وأن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر.. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ آل عمران: 104 ولأن الإسلام يجعل وظيفة الدولة الصالحة إقامة العدل وتحقيق المساواة وإعطاء كل ذي حق حقه قال تعالى ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُور﴾ الحج:41.
فإذا اشتغل العاملون للإسلام بالدعوة فإنما يشتغلون بأمر الإسلام وينزلون على حكم الدين ويمارسون نشاط دينينا محضاً وهو فرض على كل مسلم مهما كانت صفته.. الدين وحده هو الذي يبين للناس حدوده وأوامره ونواهيه وليس للأفراد حكاماً أو محكومين إلى ذلك من سبيل.. قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُول﴾ النساء: 59. وقال جل شأنه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذَلِكُمُ الله﴾ الشورى:10.
هذا هو الإسلام الذي نؤمن به وندعو إليه... وقال جل شأنه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْك﴾ المائدة: 49.