بحث
 
   
للاشتراك فى الخدمات التالية

 

أفراح الروح: في يوم العيد

فضيلة الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب

إن يوما تنتهى به رحلة روحية هى رحلة الصوم الذى جاء بعد ثلاثين يوماً، فيها التلاوة لكتاب الله وإخلاص النية والقصد وإحسان العمل، وفيها التحمل والصبر وتغيير العادات، وفيها صفت الأرواح، وخشعت القلوب، وصف المسلمون أقدامهم بين يدى مولاهم، سبحانه وتعالى ورفعوا أكف الضراعة، وناجوا ربهم، ووقفوا طويلاً يتضرعون على بابه ويلحون فى الدعاء، لجدير أن يكون يوم الفرحة والبسمة جدير أن يكون عيداً، إنه عيد الفطر، عيد الإسلام، عيد نزول الدستور الخالد، إنه يوم الفرحة الكبرى، وحق لكل مسلم أن يفرح وهو يشعر بأن هذا الشهر العظيم قد حصن قلبه عن التفكير فى المعاصى وارتقى بروحه وكف جوارحه، عن الوقوع فى الذنوب، لقد لمس الصائم وشعر بالهداية فى حياته والسعادة تملأ جوانب قلبه.

عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوجد للأنصار يومين يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: يومان كنا نلعب فيهما فى الجاهلية، فقال قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر "نقلة كبيرة أن يبدأ العيد بالتكبير والطاعة والصلاة.

إن يوم عيد الفطر يذكرنا بهذه النعمة العظمى التى كانت أساساً لإقامة دولة الإسلام، ولبناء صرح الحق، ودولة التحاكم إلى شريعة الله، دولة العدالة والتسامح، والعلم والحكمة، دولة الهدى والرشاد.

إن الأمم الناهضة لا تعرف فى تاريخها أعز ولا أعظم من أيامها الأولى التى وضع فيها أساسها، ويوم عيد الفطر، تعود فيه حرية المؤمن، فى طعامه وشرابه، بعد أن سلم لمولاه طائعاً مختاراً، كما أن يوم الفطر يشعر فيه المؤمن بفرحتين عظيمتين، لها أعظم الأثر فى حياته، فرحة الطاعة والامتثال لأمر الله، وفرحة اليقين والثقة بحسن الجزاء.

ولذلك يقول صلوات الله وسلامه عليه "للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".

وأداء الواجب، والإيمان بحسن الجزاء، عاملان حاسمان فى سعادة الفرد ورقى المجتمعات، ففى أداء الواجب الطمأنينة والثقة وراحة الضمير، وانشراح الصدر، ولو تنبه المسلمون لهذا المعنى، لأدوا جميع الواجبات التى عليهم فى الحياة، فى كل زمان ومكان، لكان لهم فى كل فترة أعياد يفرحون فيها لأدائهم الواجبات، كما أن اليقين بحسن الجزاء، عامل أساسى يدفع المسلم إلى الحركة والسعى، والجهاد والتضحية والعمل الصالح والكفاح.

يأتى العيد: والعالم من حولنا يعانى من ويلات الحضارة المادية بشقيها الشيوعى والرأسمالى، والخواء الروحى والتحلل الأخلاقى والأثرة والأنانية، هذه الأعراض أحدثت خللاً رهيبًا فى المجتمعات، وأصاب المجتمع الإسلامى منها النصيب الذى زاد على كل الحدود، وفى مثل هذه الظروف فإن البشرية أحوج ما تكون إلى الإسلام، فهو مصباح الضياء، ونور العيون والقلوب، وأداء شهادة الحق على الناس تكون بالتزامنا نحن أولاً به "أقيموا دولة الإسلام فى قلوبكم تقم على أرضكم".

يأتي العيد: وقد فعل أعداء الإنسانية بإخواننا فى فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان وفى الشيشان ما لم يدر بخلد أحد، فالمسلمون العزل والنساء والأطفال، وقعوا بين فكى الغول الصهيونى والأمريكى، والإبادة تمضى، والدماء الرخيصة تسيل، والمحو الكامل لكل شىء لا يقف عند حد، والمسلمون نيام، والغفلة لا حد لها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

يأتى العيد: والإسلام يعيش غريبًا، فى أرضه وأهله ووطنه فى كل مكان، وبقايا الشيوعيين، وشراذم العلمانيين لا يكفون عن الهزل والهراء والكذب، وحتى المسلمة الملتزمة بدينها تلقى التضييق فى كل مكان تحل فيه، بينما السافرة والمتبرجة مواطنة صالحة لا غبار عليها، الفتاة الملتزمة تعانى من التطاول والنقمة بسبب طهرها وعفافها ونقائها وإيمانها.

إنه عيد الذين آمنوا بأن القافلة التى قاد خطاها سيد الدعاة - صلى الله عليه وسلم - ما يزال حداؤها، نداء الإيمان فى القلوب، ولهيب الجهاد فى العزائم، وإن أمة تسير على وقع تلك الخطا ليست ضياعًا ولا مهدرة، وإنما هى أمة ترتكز على مبادئ لا يتطرق إليها الخلل، ولا تعرف الانحراف، لأن الوحى السماوى جذرها وأساسها، وحياة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وسلوكه ضياؤها وبيانها، واجتهاد العلماء زادها ودليلها، أمة توقن بأن البحر لن يضره غلام يلقى فيه بحجر، والشمس لا يطفئ نورها أن يحصبها طفل بحصاة.

إن العيد ينزل بيننا بحق، ويكون عيدًا بمعناه العظيم، يوم تسرى فى دنيا الأمة روح الإيمان بالله، الإيمان اليقظ الذى يربى فى المسلمين الحركة الدائبة، للعودة الصادقة إلى استئناف الطريق، وإلى الصمود والجهاد، العيد يكون عيدًا حقيقيًا حين يوجد الإحساس بأن الظمأ الذى تعانيه الأمة لا يرويه إلا منهج الإسلام، ترتشف منه الأمة قلوباً ووجدانًا ومشاعر، العيد يكون عيدًا، يوم يوجد الإيمان بضرورة تربية الفرد على الإيمان وعلى الجهاد، والرباط فى سبيل الله، وإعداد الأجيال على هذا الأمر هو الأساس للمنهج الربانى الأصيل، لابد من يقظة المسلمين، وأن تهتز أوتار قلوبهم، وأن يحملوا رسالة الإسلام، ويبلغونها للعالمين، بعد أن يعملوا بها، وأن يكشفوا المؤامرات والافتراءات والاتهامات من غير خوف، إلا من الله وحده، إنه لا عيد ما دام الأقصى أسيرا ولا عيد ما دام المسلمون يقتلون فى كل مكان.

إن الله ربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالقرآن ليربى به العرب، وربى العرب به لكى يربى بهم الناس جميعاً، فهل نعرف رسالتنا، ونعى مكانتنا، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ ( سورة الأنبياء 10) ويقول ﴿ إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ( سورة الإسراء : 9).

الدين العظيم:

تعلمنا من الإسلام أن ديننا حق، وأنه عظيم، والدين العظيم كون أمة عظيمة، هى خير أمة أخرجت للناس، كانت هذه الأمة الأولى فى العالم نحو ألف سنة، أما الآن فهى فى العالم الثالث أو الرابع، ما السبب؟ السبب نحن المسئولون عما لحق بنا وعما أصابنا؟ إن نبى الإسلام - صلى الله عليه وسلم – قال : "إن الله زوى لى الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وقال لى يا محمد، إن أمتك سيبلغ ملكك ما زوى لى منها".

أيها المسلمون:

ما هو واجبنا اليوم؟ وما هى رسالتنا؟ وما هو دورنا؟ وبماذا خرجنا من رمضان؟

إن فى رمضان دروساً وعبرا، تقود كلها إلى الثقة فى وعد الله ونصره.. ومنها:

أولاً: أن اللح حافظ دينه، ورغم فداحة الخطوب، وشدة الأهوال، فلا يتسرب إلى قلوبنا اليأس، طالما أن فينا القلوب التى تخفق بالإيمان، واللسان الذاكر لرب العالمين، لا يخيفنا أبدا تسلط يهود على مسرى النبى صلى الله عليه وسلم واغتصابه عنوة، وما استطاعوا ذلك إلا بعد أن تآمروا على دولة الخلافة.

ثانياً: لا يجدى أبداً الصراخ والعويل، والخطب والمقالات، والبكاء على الأطلال وترديد الشعارات الجوفاء، لكن الذى يجدى أن يلتقى العرب والمسلمون فى صف واحد على كلمة سواء، وأن يتخذوا عبرة من الأحداث التى تمر بهم، وأن التفرق والتشرذم الذى هم فيه عواقبه وخيمة، فلابد من قرآن يحكمهم، وهدف يجمعهم، ويكفى الآلام التى تنزل بالأمة الإسلامية الآن لتوقظها، وتكفى لتذكيرها بالله لكى تعود إليه وتقف على بابه، وتلح فى الرجاء أن يصرف عنها الأذى ويرفع عنها البلاء، هكذا علمنا الله بقوله لنا ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ ( سورة الأنعام : 42).

فهل يعلم الناس أن لهم ربا يعطى ويمنع، ويأخذ ويرفع؟ أين أصوات الضارعين؟ أين أصوات المستغيثين برب العالمين؟ أين الذين يوقنون بقوله تعالى ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ( سورة المجادلة : 21) إن وعده لآت ونصره قريب، ولكن للنصر جيلاً ينشده، ولا ينزل إلا على من هو أهل له، فهل نحن أهل النصر؟

فالعمل العمل، والنجاة النجاة، والدعاء الدعاء، والتضرع والاستغاثة والأخذ بالطرق الصحيحة والأسباب، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وكل عام وأنتم بخير.


اطبع المقال اطبع المقال
الكلمات السابقة لفضيلة الشيخ تاريخ الكلمة
2/3/2006
7/3/2006
21/3/2006
12/4/2006
18/5/2006
31/5/2006
13/7/2006
19/10/2006
19/10/2006
19/10/2006
1 2 3