بقلم فضيلة الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب
أحد علماء الأزهر الشريف
كتب إليَّ الكثيرون يقولون: "نرجو أن توضحوا لنا هذا الأمر؛ لأننا في حيرة شديدة مما سمعنا ورأينا، فقد سمعنا في أحد أحاديث الصباح من يتساءل عن مقولة "الإسلام هو الحل"، ويستفسر عن الوسيلة التي يطبق بها هذا الشعار، ويستفهم في حديثه: كيف وأين الطريق؟! وكيف يحل مشاكل العالم اليوم وغدا؟
كما رأينا بأعيننا الملصقات التي تحمل هذا الشعار الإسلامي تقطع وتنزع وتجلل بالسواد، وفي نفس الوقت تترك كل الصور العارية والشعارات البعيدة عن الإسلام، بل المخالفة له تبقى سليمة، بل تصان ويحافظ عليها!! فهل وصلت الأمور ببلد الأزهر، وأمة الإسلام إلى هذا الحد؟ ولمصلحة من هذه الأعمال؟
وأقول:
لقد تلقيت هذه الرسالة من واحد من ملايين المسلمين الحيارى لما يسمعونه ويشاهدونه من مفارقات تترك الحليم فيها حيران، وحين يرى المسلم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، يصبح في فتنة، وحين يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف، تعم الفتة ويزداد البلاء، وهذا الذي سمعته يتساءل مستنكرًا أن يكون الإسلام هو الحل، يعرف تمامًا أنه يغالط نفسه، والواجب على جميع العلماء أن يبينوا للناس جميعًا حقيقة هذه الرسالة التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 159 ، 160).
وهذا ما يطلبه الإسلام، بل ويفرضه على كل من يعرف حكمًا واحدًا من أحكام هذه الشريعة أن يبلغها للناس، وفي الأثر: "بلغوا عني ولو آية".
يقول الإمام البنا: "إننا أمة مسلمة، وقد وطنا العزم على ألا نحكم بغير قانون الله وشريعة القرآن الكريم، وتعاليم محمد- صلى الله عليه وسلم- مهما كلفنا ذلك من ثمن، ومهما بذلنا من تضحيات، وذلك أبسط حقوقنا كأمة لا تعدل باستقلالها في كل مظاهره شيئًا"، ثم يقول: "وسيظل الإخوان المسلمون يطالبون بإعادة التشريع الإسلامي كركن من أركان حياة مصر الإسلامية، يحقق الله غايتهم أو يموتوا دونها".
والإسلام هو الحل "ليس شعارًا أجوف؛ بل هو حقيقة إسلامية معناها: أن شريعة الله التي أنزلها وحفظها، وبلغها المعصوم- صلى الله عليه وسلم- هي التي تحكم بين الناس، وهي الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي، وهي السبيل لجمع كلمة الأمة، ورفع شأنها، وهي التي طبقت على المجتمع الإسلامي ألف سنة فكان أسعد مجتمع في التاريخ.
يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء: 105).
ولا يتم هذا الأمر إلا باجتماع الأمة حكامًا ومحكومين على العمل والاسترشاد بالمنهج الرباني، وعدم إقرار كل ما يتنافى مع الشريعة الإسلامية في تقرير أمور الأمة، فلا تأخذ جانبًا وتدع جانبًا آخر.
قال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65).
وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 85).
فشل الحلول الأخرى:
وإني لأتساءل: ما الذي يرضى عنه هؤلاء؟
أنقول: "الاشتراكية هي الحل"، وقد جربت فجنت على الأمم والشعوب ودمرت كل خصائص الإنسان ومقوماته، وما تجربتنا القريبة منا ببعيد؟
وهاهي مظاهر الاشتراكية والشيوعية التي لفظتها الأمم في الشرق والغرب، وما أحداث الصين وبولندا والمجر واليمن الجنوبي، وحتى في روسيا نفسها، عنا ببعيد؟
هل نقول وننادي "بالقومية"، وهي التي قطعت الأواصر حين طبقت خطأ كغاية وليست وسيلة لجمع الأمة؟
هل نقول: "العلمانية هي الحل"، وهي التي طبقت لحرب الإسلام بالرغم من المزاعم التي يتسترون وراءها؟
هل نقول: "الفرعونية هي الحل"، وهى تساوي مجموعة الأصنام والتماثيل، وتنادى بالإقليمية التي تبعدنا عن مصدر قوتنا وعزنا وهو الإسلام، والانطواء داخل حدود ضيقة محاطة بأسوار حديدية؟!
لقد جُرِّبت كل هذه الألوان والأنماط في بلادنا، فكانت الاشتراكية مصدر القلق والفقر للشعوب، وكانت العلمانية مصدر الإلحاد والجرأة على الله ورسوله وجميع أنبيائه.
وجربنا الانفتاح، فكان الضياع والنهب والسلب والمخدرات والرشوة والاغتصاب والديون والربا وكل صور الانحلال.
إن حل الإسلام لمشاكلنا التي نعاني منها، مثل: البطالة، والتضخم والإسكان، وارتفاع الأسعار، وانهيار الأخلاق، والمخدرات، وغيرها من المشاكل، لا يكون حل كل مشكلة منفردة، ولكن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة، ولكي يكون الحل كاملاً وشاملاً لابد أن تطبق تعاليم الإسلام في كل جانب من جوانب الحياة، وأولها وأهمها إعداد وبناء الفرد المسلم صاحب الضمير والخلق الإسلامي ليكون عنصرًا بناءً لا معول هدم كما هو الحال، ولابد أن يهيمن الإسلام على كل مرافق الدولة إعلاميًّا وتعليميًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ولو نظرنا لوجدنا أن معظم المشاكل والأزمات القائمة هي ثمار لنظم الحكم غير الإسلامي التي تعرضنا لها للأسف الشديد.
فماذا يريد هؤلاء الذين لا يرضيهم أن "الإسلام هو الحل"؟! هم بلا شك لا يريدون لأمتهم الخير، ولا لوطنهم العزة.
وإن كان الذي ردد هذا الكلام مسلمًا غير متخصص في علوم الدين، فلا عذر له عند الله؛ لأن المطلوب منه أن يتعلم أحكام دينه، وأن يعرف الحق من الباطل، وعليه أن يسأل من يثق في دينه، فإذا علم الحكم وجب عليه أن يلتزم به، وأن يصحح وضعه، أما من كان جاهلاً فهو معذور بجهله، ويجب على من يعلم أن يوضح له وأن يعلمه... ولا عذر له.
ولهؤلاء نذكر ما قاله واحد من غير المسلمين، وهو الفيلسوف الإنجليزي "برنارد شو" في تقديره للإسلام ولمنهج الإسلام ولنبي الإسلام- صلى الله عليه وسلم: "إن مصير أوروبا إلى الإسلام، إن لم يكن دينًا وعقيدة، فنظامًا وسلوكًا ومنهاجًا".
إن كثيرًا من المثقفين في العالم الإسلامي للأسف يفهمون أن الشريعة الإسلامية لا تتفق مع عصرنا الحالي، ولا تصلح للتطبيق، وهذا فهم خطير على إيمان أصحابه.
ومن الغريب أن تنتشر هذه المفاهيم، وأن يتلقاها البعض على أنها أمر مسلم به؛ ولذلك تراهم يستغربون مقولة "الإسلام هو الحل".
ومن أراد أن يتعرف قيمة هذا، فعليه أن يتجرد من المؤثرات، ثم يرجع إلى شريعة الإسلام ليرى أن كل مبادئ الشريعة الإسلامية وقواعدها ونظرياتها تخالف هذه المفاهيم الخاطئة، وتعلن بُعدَها الكامل عن الصواب.
يقول الشهيد عبدالقادر عودة- رحمه الله: "وقد تبين لي- كما سيتبين للقارئ- من دراسة الشريعة، أن القائلين بأن الشريعة لا تصلح للعصر الحاضر، لا يبتون رأيهم على دراسة علمية، أو حجج منطقية؛ لأن الدراسة العلمية والمنطق يقتضيان القول بتفوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية، وبصلاحية الشريعة لهذا العصر، وما سيتلوه من عصور"، ثم قال: "وفوق هذا فالقائلون بعدم صلاحية الشريعة للعصر الحاضر فريقان، فريق لم يدرس الشريعة ولا القانون، وفريق درس القانون دون الشريعة، وكلا الفريقين ليس أهلاً للحكم على الشريعة؛ لأنه يجهل أحكامها جهلاً مطبقًا، ومن جهل شيئًا لا يصلح للحكم عليه".
إن شريعة الإسلام نزلت من عند الله كاملة شاملة، نزل بها الروح الأمين على قلب سيد المرسلين بلسان عربي مبين، لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين.
إنها شريعة لكل الجماعات، ولجميع الأمم، ولسكان القارات الخمس، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان: 1)، هي للعرب والعجم، هي للشرقيين والغربيين، للجميع مع اختلاف مشاربهم، وتباين عاداتهم وتاريخهم، ومستوياتهم وثقافاتهم.
الشريعة الإسلامية من صنع الله، وهو صاحبها، فيها كل صفات كمال الخالق وقدرته، وعظمته، وعلمه المحيط بما كان وبما هو كائن وبما سيكون إلى يوم القيامة.
وكل من يؤمن بأن الله خالق السموات والأرض، ومسير النجوم والشمس والقمر وسائر الكواكب، ومسخر الجبال والطير والرياح، من كان يؤمن بهذا وبغيره، فأولى به أن يوقن بأن الله أنزل الشريعة الإسلامية قانونًا ثابتًا، ونظامًا محكمًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115).
يقول الشهيد عبدالقادر عودة: "وإن في تاريخ المسلمين لآية، وإنه لعبرة لمن كان له قلب، وإن فيه الدليل الحاسم على أن الشريعة الإسلامية هي التي صنعت المسلمين من العدم، وجعلتهم أمة فوق الأمم، ودفعتهم إلى الأمام، وسلطتهم على دول العالم، وإن فيه الدليل الحاسم على أن حياة المسلمين وتقدمهم ورقيهم متوقف على تطبيق الشريعة الإسلامية، فالمسلمون من صنع الشريعة، كيانهم تابع لكيانها، ووجودهم مرتبط بوجودها، وسلطانهم تابع لسلطانها" (التشريع الجنائي الإسلامي).
إن المستقبل للشريعة الإسلامية بكل المقاييس، وقد أخبرنا وبشرنا الصادق- صلى الله عليه وسلم- بهذا فقال: "إن أول دينكم نبوة ورحمة، وتكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله- جل جلاله- ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تكون فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله جل جلاله، ثم تكون ملكًا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله، ثم يكون ملكًا جبريًّا، فيكون فيكم ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعه الله جل جلاله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، تعمل في الناس بسنة النبي، ويلقى الإسلام بجرائه في الأرض، يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض، ولا تدع السماء من قطر إلا صبته مدرارًا، ولا تدع الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئًا إلا أخرجته" (رواه الإمام أحمد والبزار والطيالسي).